الرئيسية / ثقافة / أن تصنعك الوحدة (“قراءة في رائعة خوان خوسيه مياس “هكذا كانت الوحدة”)

أن تصنعك الوحدة (“قراءة في رائعة خوان خوسيه مياس “هكذا كانت الوحدة”)

هناء نور تكتب ( أن تصنعك الوحدة)

هناء نور تكتب : أن تصنعك الوحدة

“قراءة في رائعة خوان خوسيه مياس “هكذا كانت الوحدة” 

الكاتبة المصرية هناء نور

كانت “إيلينا” تشعر بالغربة والوحدة رغم أنها أم وجدة وزوجة، لم تكن علاقتها طيبة بابنتها، فالابنة كانت تميل للأب شديد الثراء، وكانت ترى أمها صاحبة مبادئ ساذجة.. ورومانسية لم يعد لها مكان، أو تغيرت من منظور سكان هذا الزمن.. 

حين أحبت إيلينا والد ابنتها كان ثوريا، كانت قضية العدالة الاجتماعية تؤرقه، لكنه تحول بالتدريج إلى شخصية نفعية رأسمالية أكثر فجاجة من كل من كان يعلن عليه العداء.. 

أصبح المال غايته الأولى والأخيرة أيا كانت الوسائل إليه..

ليس هذا كل شيء.. هو أيضا لم يكن يكف عن خيانة إيلينا.. فذبلت هي شيئا فشيئا ولجأت لكل وسائل الهروب.. على رأسها القمار والحشيش..

بعد موت أمها التي كانت المعنى الوحيد الجميل للحياة، نهضت جروح إيلينا الخاملة؛ قررت أن تستأجر مخبرا خاصا لمراقبة زوجها وإحصاء خياناته.. لم تكن النتيجة غير متوقعة، فقد كانت تعلم إيلينا أن خياناته لا تنتهي..

ملت إيلينا من متابعة ما يفعله زوجها، فقررت أن تغير الخطة وتستأجر المخبر نفسه لمراقبتها هي؛ دون أن تعلمه أنه سيراقب إيلينا نفسها التي تدفع له مقابل عمله..

أرادت إيلينا أن تشعر أن هناك من يراها، فهي كانت تقتلها فكرة أنها غير مرئية لأحد، بل ولأقرب الناس إليها.. 

طلبت من المخبر أن تكون التقارير تفصيلية.. تلمح أدق التفاصيل.. 

أخبرها المخبر أن أحد ساقي إيلينا غير منزوعة الشعر، وأنها بذلك قد تكون من أصول آسيوية وخاصة من أولئك اللاتي يعتبرن شعر الجسم أحد هبات الطبيعة ولا يجب التخلص منه.. 

انتبهت إيلينا أنها لحظة سماع خبر وفاة والدتها توقفت لا إراديا عن استكمال إزالة شعر ساقها الأخرى.. 

اعتنت إيلينا بساقيها وأعادت تنظيفهما من جديد..

ذكر المخبر في أحد تقاريره أن عين إيلينا بارزة للخارج.. وهذا ربما يدل على تناولها الدائم للحشيش… 

وقفت إيلينا تتطلع لعينيها في المرآة وقررت الامتناع عن الحشيش.. 

ذكر المخبر أن إيلينا جميلة.. وأنها لو غيرت تسريحة شعرها ستصبح أكثر جمالا.. وستبدو أصغر سنا رغم أنها تبدو شابة حقا.. 

أصبحت عين المخبر دليل إيلينا لصفحة جديدة في الحياة.. ستفكر في إيلينا.. ستحبها، ستعيد بناءها على كل المستويات..

تخلت عن عاداتها السلبية.. غيرت تسريحة شعرها واشترت ثيابا أصغر سنا وأكثر بهجة.. شعرت بأن الأحلام تنبت فيها من جديد.. انفصلت عن زوجها بناء على اتفاق ودون دخول من جانبها في أية نقاشات فقد كانت تعلمت أن الكلام مع من لا يفهمها غير مجد على الإطلاق.. قررت الانتقال لشقة جديدة مريحة بسيطة الذوق والاختيارات.. لقد شعرت لاسترداد رئة نقية قادرة على الاستنشاق بعمق..

وقع المخبر في حب إيلينا عن بعد.. وأرسل لها مبديا رغبته في الانسحاب من تلك المهمة؛ إن كان الهدف من مراقبة تلك المرأة التي تبدو مسالمة جدا هو الرغبة في إيذائها.. فإن كانت قد تراكمت عليها بعض الديون من خسائرها في القمار، لم لا يذهب صاحب الحق لمطالبة زوجها الثري بدلا من ملاحقة امرأة مسالمة ولا تملك ما تدفعه؟!

ضحكت إيلينا كثيرا وبحب، إذ لم يخطر على بال المخبر الذكي المتمرس أنها هي من تراقب نفسها من خلال عينه..

أثناء سير إيلينا في أحد الشوارع بفرح وتألق.. اعترض طريقها لص ما، فانقض عليه المخبر الذي توقع أن المجرم تم استئجاره لاغتيال إيلينا.. أصيب المخبر بمطواة المجرم إصابة غير بالغة الخطورة قرب الحجاب الحاجز، هذا لم يجعله ينسى أثناء تواجده في المستشفى أنها كانت المرة الأولى التي ينظر فيها لعيني إيلينا عن قرب.. في الوقت ذاته اتخذ قرارا حاسما بالاستقالة من مهمته لمراقبة إيلينا لصالح أشرار لا يعرفهم، لكنه لن يتخلى أبدا عن مراقبتها عن بعد لحمايتها فقط.

لم يكن يخطر في بال إيلينا أن تلك العين التي استأجرتها لتشعرها بأنها موجودة ستغير حياتها فقط.. بل ستكون أيضا ملاكها الحارس!

عن الخبر ال واي

شاهد أيضاً

“موسيقات وفنون وثقافات” للكاتبة والشاعرة اللبنانية هالة نهرا

“موسيقات وفنون وثقافات” للكاتبة والشاعرة اللبنانية هالة نهرا   بعد كتابها “إضاءات موسيقية وفنية” (دار …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *