الرئيسية ـــ ثقافة ـــ الكاتب محمد المكي :في السودان الآن يتخلّق الصوت الشعري

الكاتب محمد المكي :في السودان الآن يتخلّق الصوت الشعري

الكاتب محمد المكي :

في السودان الآن يتخلّق الصوت الشعري

* نحن من حملنا عبء الرسالة القومية
*ما كانت تنادي به مدرسة الفجر تحقق تحت أسماء أخرى
*الأكتوبريات هي اندغام الذات الشاعرة في الذات الجماعية

حاورته : رانيا بخاري

الكاتبة و الصحفية رانيا بخاري / السودان

الأصوات الغاضبة تبحث عن صوته الشعري خارج السودان، لتصنع لأمته موقفاً تعبر به عن الجماعة، صرخة ميلاده في مدينة الأبيض، تلقى تعليمه بخور طقت، ثم كلية القانون جامعة الخرطوم، عمل بوزارة الخارجية لفترة ثلاثين عاما، ثم استقر في أمريكا، له أربع مجموعات شعرية هي (أمتي) 1968، (بعض الرحيق أنا والبرتقالة أنتِ) 1972، (يختبئ البستان في الوردة) 1984، (في خباء العامرية) 1988. تميزت أشعاره بالوضوح والصدق ويجمع بينها خط فكري يمثل لقاحاً عربياً أفريقياً وفي ذلك المنحى أسس مع بعض أصدقائه مدرسة الغابة والصحراء.
أعماله الفكرية نشرها بمختلف الصحف السودانية والبعض منها جمعها في كتاب بعنوان (ظلال وأفياء) و(في ذكرى الغابة والصحراء)، بجانب مقالات عن ذكرى أكتوبر، وله كتاب مهم في التاريخ الثقافي عنوانه (الفكر السوداني أصوله وتطوره).

الكاتب السوداني محمد المكي إبراهيم

*محمد المكي إبراهيم، صلاح أحمد إبراهيم، والمجذوب، وأبوقطاطي، هؤلاء وضعوا الشعر السوداني على خريطة الشعر العربي، فلماذا تراجعت قومية القصيدة وفشلت الدبلوماسية السودانية في حمل ثقافتنا للآخر؟
تاريخ الشعر السوداني تطور على أربع مراحل الأولى ما بين عام 1860 إلى بداية الحرب العالمية الأولى، وهذه الفترة ظهر فيها الشعر الديني الصوفي، ولعل ذلك يرجع إلى تلقي شعراء تلك المرحلة تعليمهم في الأزهر، ثم الفترة الثانية وهي حقبة الشعر التقليدي، وبدأت بعد الحرب العالمية الأولى التي أفرزت الدفعة الأولى من خريجي كلية غردون، ثم الفترة الثالثة التي بدأت بها بوادر حركة التجديد من الجيل الثاني لخريجي كلية غردون، وكان شعر هذه المرحلة يبحث عن الذات، أما الفترة الرابعة فبدأت بعد الحرب العالمية الثانية، وقد برزت فيها المذاهب والمدارس الفكرية والأدبية التي ارتبط فيها السودان ارتباطاً كاملاً بالتيارات الثقافية المعاصرة في جميع أنحاء العالم، في الشرق العربي خاصة، وقد انعكس ذلك في شعر كل تلك التيارات سابقة الذكر، ولعل أبعدها أثراً التيار الواقعي والاشتراكي، حيث الوقوف ضد قوى الاستعمار، فكتب صلاح أحمد إبراهيم أغنية التروبادور للجزائر، وكتب المجذوب لدير ياسين، وتاج السر الحسن لآسيا وأفريقيا في مؤتمر باندونغ، وقد كتبوا شعراً لجميع الشعوب المناضلة ضد الاستعمار والرأسمالية، كما تغنوا للثوار في كل مكان، في مقدمتهم لوممبا بطل ورمز التحرير في الكنغو.
* لماذا أصبح الحضور ضعيفاً الآن؟
آنذاك كان السودان مؤهلاً عالمياً لذا كان حضوره في مهرجان بابل الدولي السابع الذي شارك فيه الشاعر أبوقطاطي، والمجذوب في مؤتمر الأدباء العرب، والتراجع الذي حدث أعزوه إلى انعدام الحرية، فالثقافة لا تنمو إلا في ظلال الحرية الكاملة والمكفولة، والتراجع أيضاً يعود إلى العزلة اللغوية التي نحياها الآن بسبب تدهور تدريس اللغة العربية في مدارسنا وجامعاتنا، وأذكر في ذلك أنه في العام 1966 قد بعثت في أول بعثة خارجية إلى فرنسا لدراسة الآداب، الآن حتى تلك البعثات تلاشت وانعدمت، وما يحدث الآن هو صمت ومداراة ومصادرة لأساليب الكتابة المضادة للسلطة.
* القصيدة اليوم ساقطة في إغراءات لفظية مترهلة وخاضعة لعبودية القافية المتواترة؟
أختلف معك، حدث تحرر للقصيدة السودانية خاصة تلك التي جنحت للعامية، وموضوع اعتراضي أنها سهلت أكثر من اللازم، فالشعر الفصيح أو العمودي أو التفعيلي صعب الممارسة يحتاج إلى معرفة باللغة، والشعر المعاصر أرى إنتاجه قليلاً جداً، الشعر متأثر بغياب الحرية فالحرية لا تقف عند الهم الاجتماعي وإنما هي فعل ذو ثقل إنساني لصيق بتجليات الذات وأشواقها.
*هناك قصائد عبرت أفق المحلية وأصبحت جغرافيا تقاوم من أجل الشعوب، ترى ما الذي جعل الأدب السوداني يعيش معزولاً على الهامش؟
الشعر هو تحويل الفردي إلى مثالي، والجزئي إلى كلي، والمجرد إلى محسوس، فالشاعر يأتي إلى النص مثقلاً بشروط محيطه الثقافي والاجتماعي والتاريخي، فالشعر الآن يكتب لقارئ نشط الذهن والاستيعاب، لذلك اهتمامات الشاعر باتت تتخطى فردانيته إلى التجربة الإنسانية جمعاء. الشعراء الكبار متحررون من هذا العيب ويتطلعون لآفاق إنسانية كبرى، خذي عالم عباس مثلاً لا يتحدث عن وضعه الشخصي، بل كل تركيزه على الإنسانية والصوفية، وكذلك إلياس فتح الرحمن، فهو متأمل في الحالة الإنسانية الخالية من الجوانب الشخصية، فدور الشاعر هو الانفراد عن الصوت القطيعي الذي يمجد الخراب.
* برغم ذلك ما تزال العزلة موجودة؟

محمد المكي

أعترف بأننا معزولون ليس لأننا لا نكتب عن القضايا المهمة، ألسنا نحن من حملنا عبء الرسالة القومية عندما كان الوطن العربي كالجسد الواحد؟ فالشاعر السوداني تجاوز حدود ذاته بل حدود عاطفته الشخصية بدليل أن في السودان الآن يتخلق الصوت الشعري لجيل الغضب، فالأصوات الغاضبة تبحث عن صوتها الشعري خارج السودان لتصنع لأمتها موقفاً تعبر من خلاله عن الجماعة الثقافية في السودان، وبقاء المشهد الثقافي على الهامش يعود إلى عدم إيمان القائمين على أمر الثقافة بدور الثقافة في نهضة المجتمعات، لذا نجد أن ميزانية الثقافة ضئيلة جداً لذلك ليس لدينا مجلات مثل العربي والدوحة، تهتم بالمنتوج الثقافي وتسعى لإبرازه، والأدوات الإعلامية الموجودة لا تكفي للذيوع والانتشار، وهناك قصور في الإمكانيات وليس في الإبداع، فالإعلام نفسه يعاني من الكوابح وقلة الأموال المتوافرة.
* طرحت مدرسة الفجر قومية الثقافة والإبداع، فإلى أي مدى استطاع الشعر السوداني تجسيد تلك القومية؟ أم أنه كان انتصاراً للعرقية على حساب القومية؟
الشاعر حمزة الملك طمبل كان ينادي بإدخال بعض الكلمات السودانية الدارجة التي بها ظلال الشعرية، وأن يقتحموا بها مجال الفصحى، وجماعة الغابة والصحراء هي امتداد لدعوة حمزة إلى الأدب السوداني القومي، وأيضاً لدعوة عبد النبي مرسال، الذي أسس جماعة (اليد السوداء) في العام 1937 ودعا عبرها إلى العروبة وقومية الإبداع والثقافة التي كانت تنادي بها مدرسة الغابة والصحراء وقد تحققت تحت أسماء أخرى. أدبنا الآن يحفر عميقاً في الهوية السودانية ويرسم حدوده وخصائصه أكثر مما كان يتطلع إليه كتاب الفجر، نحن لسنا مشتغلين بالثقافة الشعبية فتلك في الإعلانات ونحن نمثل الثقافة الرسمية.
* كيف اكتسبت الأكتوبريات تلك الديمومة التي أحالتها إلى ميراث شعري؟
هي كانت بمثابة خروج الأنا الشاعرة ومن ثم تجلت في ذوات أمتي التي تقمصت لسان حالها ولسان الشاعر الذي يمثل ضمير شعبه من خلال توظيف الموروث العام والغوص في طبقة الوعي محاكاة للواقع وفي الحرية يعيد الإنسان إنتاج ذاته وواقعه متوحداً مع النص فالشعر هو تناول الآخر بالكتابة عنه وهذا ما يسمى بالدور الاجتماعي للشعر والرؤية الشعرية تمكن الشاعر من كشف الحقائق الكامنة في ضمير الوجود وتمنحه القدرة على توحيد الظاهر والباطن، والأكتوبريات وجد فيها الشعب متمثلاً في المجتمع ما يعبر عنه لأنها كانت اندغام الذات الشاعرة في الذات الجماعية التي تقمصت رغبات جيل كامل وأرى أنها أصبحت ميراثاً لأنها تحاكي زمناً غابراً يتوق إليه الشعب، والديمومة يكتسبها أي منجز بمقدار صدقه وتلبياته لآمال الشعب، وكافأني وطني بالمحبة.
* لغة النص الشعري كرست تمثيلاً سلبياً للمرأة عبر التاريخ وحتى الآن؟
ورث الرجل إرثاً ثقيلاً أسهم في إنتاج جيل من المتشنجين كرسوا لتك الصورة الرمزية التي ألبس فيها الرجل أقنعة كثيرة للمرأة واعتاد على ذلك. الأنوثة هي أصل الأشياء ومصدر الإلهام لذا فمن غير الممكن أن لا يكون للمرأة صوتها الذي غيبه الرجل طويلاً، أليست المرأة هي من لقنت كابحها حروفه الأولى؟ آن الأوان لتكتب المرأة عن نفسها منهية بذلك عهد الكتابة بالوكالة.

عن الخبر ال واي

شاهد أيضاً

صدور «الـوهـم» العمل الروائي الثالث للأديب هيثم نافل

صدور «الـوهـم» العمل الروائي الثالث للأديب هيثم نافل عن مؤسسة شمس للنشر والإعلام بالقاهرة؛ صدرت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *