الرئيسية ـــ ثقافة ـــ مقالات ثقافية ـــ عنف عسكري وعنف ثقافي أيضاً
إبراهيم نصر الله، كاتب وشاعر وأديب فلسطيني

عنف عسكري وعنف ثقافي أيضاً

عنف عسكري وعنف ثقافي أيضاً

القدس العربي/ إبراهيم نصر الله

كاتب وشاعر وأديب فلسطيني

في السياسة

يعتقد كثير من الناس أن مهاجمة نظام هي مهاجمة البلد نفسه، وهذا في الحقيقة هو منطق النظام الذي يرى أنه الدولة وأنه الشعب وأنه الأرض، وأنه الأمس واليوم والغد.
إن مهاجمة نظام في المنطق الحضاري هو دفاع عن الشعب ودفاع عن الوطن، أكان هذا الوطن وطنك أم وطن غيرك، ودفاع عن حقّ هذا الشعب وحق هذا الوطن في أن تكون له منجزات حضارية في العمران والثقافة، والصناعة، والاحترام.
لقد عانت الثقافة العربية كثيراً من مسألة وضع الأنظمة وشعوبها في سلّة واحدة، وما لبثت بعض المناطق الثقافية أن وجدت نفسها في الموقع ذاته، أي أن هناك من يضعها مع النظام في سلة واحدة، لمجرد أنهما، الشعب والنظام، يعيشان في مكان واحد!
هذا التسطيح لم يزل سائداً حتى يومنا هذا، ويعاني كثير من الكتاب إذا زاروا بلداً ما من معضلة أن لقاءهم بالبشر فيه كما لو أنه لقاء بالنظام نفسه، ووقعنا جميعاً في ذلك بعد معاهدة كامب ديفيد، وقوطعت مصر، ولا أقول نظام السادات، وكنا نسمع صرخات المثقفين المصريين تتردد في كل مناسبة: «مصر ليست السادات»، لكننا تأخّرنا في فهم ذلك، وبعضنا لم يفهم هذا حتى اليوم، لم يفهم أن مصر هي ميدان التحرير، وثورتها، وهي السبعون ألف متابع لمباراة منتخبها ومنتخب جنوب إفريقيا التي أقيمت في القاهرة، الذين هتفوا: بالروح بالدم نفديك يا فلسطين، حين اعتقل الأمن المصري من رفع علم فلسطين في مدرجات الملعب، مصر هي ثقافتها الممتدة، يذهب الرؤساء وتبقى مصر، كما ستذهب أنظمة كثيرة وتبقى الأوطان.

في الكتب

هناك أكثر من تحدٍ يواجه المؤلفين في العالم العربي، أول هذه التحديات هو توزيع الكتب، فنحن نعاني من كون كثير من الدول لم يعد التوزيع فيها ممكناً، فهناك دمار كبير في سوريا، والعراق، واليمن، والسودان، وليبيا، وهناك التدنّي في مستوى المعيشة في مصر والجزائر والمغرب، وهناك الاحتلال في فلسطين. هذه الدول كانت تستهلك أكثر من 75٪ من نسخ الكتب المطبوعة. هذا أدى إلى تدنّي مستوى القراءة، ولو كان الوضع مختلفاً، في هذه الدول، كما نشهده في دول أخرى، فإن ظاهرة اتساع القراءة الواضحة خلال السنوات العشر الماضية ستكون عامة، وساعتها يمكننا أن نتساءل: هل العالم العربي يقرأ أم لا. إذ إن هناك إصراراً على أنه لا يقرأ، مقارنة بالغرب، لكن من يردّدون ذلك يتغافلون عن الدمار الذي لحق بالدول العربية الكبرى، ثم يتغافلون عن مسألة مهمة، وهي مستوى المعيشة في عالمنا العربي، ومستوى الرفاهية الذي لا يمكن أن يقارن بوضع المواطن الغربي، كما ينسون أن كل كتاب رائج في الغرب ليس من الضرورة أن يكون منتمياً للثقافة العميقة، فكثير من الكتب تستخدم لمرة واحدة فقط.
هذا التحدي العربي نتج عنه تحدّ آخر، وهو تزوير الكتب على نطاق واسع، ووجودها على شبكات الإنترنت، نسخ بي دي اف. وتزوير الكتب ليس فقط في هذه الدول المتضررة، بل في دول مستقرة؛ اليوم في الأردن لا يزيد حجم النسخ الأصلية من الكتب عن 20 بالمئة، و80 بالمئة نسخ مزورة، وهذه ظاهرة يمكن أن تراها بعينك، وأصحاب المكتبات الكبرى يؤكدونها.

ترجمات

مع أن الكتابة العربية في تطور مستمر، وخاصة في مجال الرواية، إلا أن الثقافة العربية لم تأخذ حقها فعلاً على المستوى العالمي، أفهم أن هناك تكاليف ترجمة وتحرير عالية، لكن هذا لا يفسر التجاهل المتصاعد الذي نلمسه. ليست هناك اليوم قاعدة تؤكد أن الكاتب العربي الذي تمت ترجمة أعماله بشكل جيد سيُترجم أكثر، ففي كل مرة يحسّ الكاتب كما لو أن عمله الجديد هو أول عمل سيترجم إلى الإنجليزية مثلاً. أي: لا توجد قاعدة يمكن أن نسميها التراكم. فالنجاح لا يجلب نجاحاً بالضرورة، لأن المناخ السياسي والدعائي، مع أو ضد هذه المنطقة، يلعب دوراً كبيراً. ليس هناك تعامل مع الثقافة العربية كثقافة رائعة وتستحق، بل يتم التعامل معها وفقاً لظواهر الاهتمام المتعلقة بالصراع، العنف؛ وفي الحقيقة، الثقافة العربية ضد كل ما هو عنيف في حياتنا وفي العالم، وهي ضد الديكتاتوريات ومع الحرية؛ أي أنها تنتمي إلى الثقافة العالمية ببعدها الإنساني.
يمكننا القول: كما أن هناك عنفاً عسكرياً واقتصادياً ضد بعض المناطق في العالم والعالم العربي، فإن هناك عنفاً ثقافياً يُمارس ضد الثقافة العربية، ولذا لدينا صعوبة في وصول ثقافتنا-التي هي صوت البشر هنا، لا صوت الحكومات- إلى خارج حدودها كما تستحق، بل إن المفارقة الكبرى هي أن الغرب الذي يروّج دعمه للديمقراطية وقيم للتسامح ظاهرياً، هو من يفتك بالثقافة العربية عبر تحييدها، كمنجز حضاري إنساني ديمقراطي، ولا يدخر جهداً لدعم الديكتاتوريات والأنظمة الفاسدة لدينا، المعادية لهذه الثقافة.

عنف عسكري وعنف ثقافي أيضاً

عن الخبر ال واي

شاهد أيضاً

مشهديات الاحتفاء بالشاعر الجديد

هل مضى ذلك الزمن الموغل في التاريخ حيث القبيلة التي تحتفل بميلاد الذكر، ونبوغ الشاعر، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *