الرئيسية / ثقافة / مرسيل خليفة: “جداريّة” تشفّ عن نِسْوةِ الياسمين وصدى النُحاسِيّات منذ الإغريق والفراعنة!

مرسيل خليفة: “جداريّة” تشفّ عن نِسْوةِ الياسمين وصدى النُحاسِيّات منذ الإغريق والفراعنة!

مرسيل خليفة

مرسيل خليفة:

“جداريّة” تشفّ عن نِسْوةِ الياسمين وصدى النُحاسِيّات منذ الإغريق والفراعنة!

المصدر : “هارموني توب إيجيبت”

الكاتبة والناقدة هالة نهرا / لبنان

      يفترش أفياءَ أوتارِ العود المزدوجة ومخيّلته الهاطلة. يُعبّد طرقاتٍ ودروباً جديدةً في أفضية النغم المشرَّع على المُطْلَق، وعوالم التأدية والأداء وانثناءاتهما وانعطافاتهما. من “ديوان العود” المرتقب تتدلّى ثمار تجاربه المضيئة المتقاطعة والمتراكبة. يتبدّى فيه تجريده الذهنيّ الرفيع، وممارسته العزفية التاريخية التي شكّلت علامةً فارقة في القرن العشرين كما الحادي والعشرين على مستوى الآلة النبيلة والعريقة ومتطلّباتها ورؤاها العصرية والحداثية. الديوان اكتنفتْهُ كتابةٌ موسيقية ينتظرها الجمهور النخبويّ لتلقُّفه وتلقُّمه ودراسته. بالتوازي، يؤلّف الفنّان اللبناني والعربي الجماهيري مرسيل خليفة “جدارية” تستند أساساً إلى شعر الفلسطيني الغني عن التعريف الكبير محمود درويش توأم مرسيل الفنّيّ منذ البدايات والإنطلاقة التي أنشأت ذائقةً فنيةً عربية جديدة ومغايرة للسائد. يجتهد مرسيل في الترجمة “الدياسيميائية” أي في ترجمةِ نظامٍ سيميائيّ بنظامٍ سيميائيٍّ آخر، وهو الذي طرح التساؤل التالي على الملأ منذ مدّة: هل يمكننا إطلاق مُداوَلة تكتنفُ تبادل آراءٍ ووجهات نظرٍ عن الموسيقى بغير لغة الموسيقى عَيْنِها؟

   

مرسيل خليفة

مرسيل المبدع المجدِّد بفرادةٍ وتواضعٍ وتأنٍّ، لم ينطلق من فجوةٍ أو من قطيعةٍ مع الموروث الموسيقي والفني العالميّ، والمشرقيّ العربيّ، والعربيّ عموماً. صانَ إلتماعاتٍ وإشراقاتٍ في التراث مُحَدِّثاً في نسيج بطانتها وطيّاتها وبعض طبقاتها، علماً بأنه قدّم بعضها ببساطةٍ مستحَبّة شعبياً بإحساسه المؤسلَب، سواء في لُجّة الأداء أو التوضيب والتوزيع الموسيقيَّيْن. قدّم العبقري سيد درويش على طريقته الخاصة، ومَرَّ بالغناء الساحلي والجبلي، والدور المصريّ، والقدّ الحلبيّ، والطرب في تشعّباته وتنوّعه واكتنازه… كما تشرّب التفكير السِّمفونيّ الغربيّ في رحابته وَسِعة تجلّياته المتباينة، لا بمعناه ومفهومه الضيّقَيْن والحصريَّيْن في المؤطَّرِ الناجزِ المتعيّنِ النهائيِّ الصارم. تاريخياً هذا ما فعله الفنّان المتمرّد الحالم. قال خليفة إنه يبحث عن موطىء قدمٍ في ظلّ اكتظاظ العالم حيث التدافع والعجيج، وفي التاريخِ الضاجِّ بالتحوّلات العاصفة. علّمَهُ العمرُ “احتساب الوقت بغاية التركيز تنقيباً عن صفوة الموسيقى المنعتقة من ثِقْلِ تاريخها ومن أعباء الواقع”.

من دون أن يتناقض أو يتنافر في متوالياته وتتابُعه وتراكماته، تَرجَّحَ نتاجُهُ عموماً بين تنويعاتٍ ومحطّاتٍ حرّة غنائية وعزفية، وتقاسيم حديثة مبتدعة مدوَّنة، وموسيقى مقوْلَبَة أو “قالبية” وأُخرى منعتقة… وضخامةٍ أوركسترالية لاحقاً – تشفّ عن سخاءٍ فنّيٍّ بَيِّنٍ- تُجاورُ “هوموفونيا” تعكس تقتيراً نسبيّاً لماماً، وموسيقى شرقية وعربية الهوى والهوية تُصاهران أحياناً “هارموني” حديثة ونظاماً “توناليّاً”، مع مراعاة خصوصيات الموسيقى العربية، وموسيقى “كلاسيكية” غربية في خلاصتها وجوهرها… وحداثية، ومعاصرة، وموسيقى مقامية أصيلة ثريّة بطبيعة الحال، مع جرعاتِ تجريبٍ ودمجٍ بين الموروث العربيّ والنسيج “البوليفوني” الغربي، إلخ.

حول جديد مرسيل خليفة الفنّي المقبل ورؤاه اليوم، أجريتُ معه هذا الحوار الذي نخصّ به موقع “هارموني توب إيجيبت” المصري، ونُبرز زبدة الحوار وومضاته الطازجة للجمهور والقرّاء.

مرسيل خليفة الذي امتازَ تاريخياً بصورةٍ عامّة بأسلوب السهل الممتنع، قال إنّ “جدارية” قد تهاطلت من السماء: “رجعتُ إلى البدايات؛ أي إلى منتصف السبعينيات من القرن الماضي. قرأتُ حينذاك للمرّة الأولى قصائدَ محمود درويش الأولى موسيقياً، ثمّ تحوّلتْ بعد حين إلى نشيدٍ وطنيّ. في هذا الزمن الشائك إنه محمود درويش؛ وأنا عاشقٌ لشعره ومُردِّدٌ لأبياته في الكثير من الأعمال وذلك منذ سنة ١٩٧٦ حتى يومنا هذا. كم من ديوانٍ مرَّ بين راحتَيَّ وعلى أصابعي وفي حنجرتي خلَّفَ أغانيه، وجوّفَ وشَقَّ في شرودِ أوتارِ عودي أنغامه”. وأردف قائلاً: “أقرأ بلا حدٍّ ولا عدّ. أُكْثِرُ القراءة ومنها في الأماسي الممتدّة إلى نومي وحُلْمِهُ… في الجدارية نقطةُ انطلاقٍ من سؤالٍ وجوديّ وميتافيزيقيّ كبير ومرتفع. يتبدّى شِعْرُ الروح المُنْسَدِل وشِعْر القلب المسجّى بالأسى والجَوى والغُمَّة؛ فكّرتُ في غيهب هذا الصقيع الفظيع في إشعال جمره على خيول الريح. في الجدارية أكتنُّ وأتظلّلُ باللغة التي تتخمّر في الخوابي، وذلك بعد أكثر من عشرين سنة على صدور الديوان. يا لفداحة الصمت الأجوف الذي أعلنُ براءتي منه! يا للخواء الأسوأ في الزمن الموحش هذا! أُرتّلُ من خزين وخزائن الذاكرةِ وأدراجِها ما خلّفه وحفره الشاعر من آياتِ الموتِ والحياة، والرونقِ والإشراقِ الغَضِّ والإضاعة والحسرة، والحضارة التي تتجلّى وتتكثّف أيضاً وتتقطّرُ في العبارة. الأكثر ديمومةً يكمن في هذه الجدارية… فمن الماضي إلى غدنا قد ينساب الزمنُ الهارِب، غير أنّ الجدارية تأخذ مُنتزعةً ذلك كلّه لتزفّه في مواكب ومراكب الصُّوَر والدلالات. الجدارية تشفّ عن نِسوَةِ الياسمين، وعن أسئلةٍ مُغْفَلَة، وأسرارٍ مغلقة ومبهمة. يكشف النصُّ الغطاءَ عن سرائره في أفضيةٍ تُعانق النقاء الطفوليّ الشفيف. الأماسي والليالي أنهكت جفنيَّ في العمل وأنا دؤوبٌ”.

أدمنَ مرسيل العمل في زمهرير الشتاء والحَرّ الشديد: “في غرفتي الصغيرة في عزلتي أتسلّحُ بذخائر السلام الداخليّ. بتؤدةٍ وسكينةٍ في السكون أُدوّنُ ما على ناظريَّ يتصبّب ويندفع ويفيض. لا أتلفّت يميناً أو شمالاً، ولا أرفع رأسي عن المخطوطة حتى لأرتشف الماء! أواظب على الأمر ساعاتٍ طويلة، وسمعي تُرهقه جَلَبة وضوضاء هذا العالم على الرغم من عزلتي النافرة”.

بعد سؤالنا عن تفاصيل كواليس العمل وإرهاصاته وخبايا مختبره، أجاب خليفة: “أقرأ بتمهُّلٍ ورِفْقٍ. أحياناً، في القراءة الموسيقية الأولى والأوّلية قد تفوتني فقرة أو جملة فأبدأ بتنغميها من جديد. أتريّث وأتأمّل مليّاً. أُقفل الباب  في غرفتي الصغيرة حيث أرتدي وحدتي، ويشرئبُّ خيالي الجامح المدوّي كي أُشَرِّعَ لذاتي ألف باب. لقد مرّ وقتٌ طويل وسيمرّ بعد أكثر حتى أتمّم وأنجز العمل كاملاً. أحياناً يندلع لهب الشغف في الروح، وأحياناً أجنح نحو تأجيل العمل لوقتٍ آخر. كل أسبوعٍ أُكملُ مقطعاً وكل شهرٍ أقرعُ باباً. الآن أنا ملتزمٌ بالمواصلة حتى النهاية”.

في بوحٍ شفيفٍ عن غيابه القسريّ اللافت الممتدّ قال: “يسألني الأصدقاء والأحبّة عن غيابي هذا، وأتهجّى عبارات ورسائل العتاب في عيونهم وأسئلتهم واهتمامهم. أرتجل الأسباب والحُجَج المتأرجحة والمُتَرَجِّحَة بين البُعد والسَّفَر والغربة والمَشاقّ… في الحقيقة، لقد انهار بلدنا لبنان “بأُمِّهِ وأَبيه” وسرقت المصارف مدّخرات لأيامٍ عسيرة، وقد تعبنا كثيراً في تحصيلها وذلك لم يحدث على الإطلاق إلاّ في لبنان، حتى في مجاهل الكُرَة الأرضية لم يحدث ما يشابه ذلك! ألازمُ غرفتي كي أُخفي وحشتي. شديد الشناعة ومُثيرٌ للغيظ والألم ما يحدث في العالم؛ أعني الفساد والجائحة والنهب والإنهيار عموماً”.

وتابعَ حديثه موغلاً في إفضاءٍ تكتنفه التساؤلات: “مرّ عامٌ على تجربةٍ جديدة مع الشِّعر. على الرغم من أنني أنجزتُ الكثير حتى الآن، إلاّ أنني لا أدّعي معرفة إلى أين سيقودني هذا التولّع الرهيب بملعب الألفاظ والعبارات وفضائها وأمدائها المتصاهلة وإيقاع النغم؟ لقد استضافَنِي “المجرَّدُ” وغطستُ في الجدل وانغمرتُ به حتّى أستوضحَ كيفية نشوء وتوالُد الأشياء من الأضداد والتضادّ. أنا العاشق والمفتون والباحث عن أفقٍ مستحدَث لموسيقى جديدة في التصوُّر والتمثُّل والتجريد”.

*

في عددٍ من أعمال خليفة وفي فقراتٍ منها وومضاتٍ يرى المُصغي بعمقٍ لونَ صوتٍ جديدٍ، كأنه زبدة أصواتٍ، ويلمس الوقْع المخمليّ ويَحَارُ أمام الجمال الفنّيّ وكيف يدّخر رائحة الفجر الفارَّة. ثمّة هبوبٌ شاهقٌ للحواس في نصّه، بموازاة محاولةٍ حثيثة لتثوير اللغة الموسيقية عينها برفقٍ شديد، كأنّ مرسيل يُمسك بيد الموسيقى!

*

محمود درويش

عن صوت محمود درويش على اعتباره علامةً، ودلالاته في حضرة الغياب الباسق، أخبَرَنا مرسيل بأنه سيجعل صوت درويش ينسكب ويجري ويمتدّ “في بعض محطّات “الأنا” ومقاطع الموت”: “سأدع صوت درويش يرجّع أصداء الإيحاء الدلاليّ، كأنه حيٌّ اليوم يواجه الموت ويهزمه. حينما يصدح صوته تطمئن وتَتَيَقَّن بأنّ الزمان ما زال نابضاً. صوته سيتجسّد كسحابةٍ. دَوْر الموسيقى أن تُدرك كيفية تحويل السحابة هذه إلى غمامة أي السحابة  التي يتغيّر بها وجهُ السّماء، ليتحوّل الأمر بأبعاده إلى مطرٍ ناعم في خريفٍ ناءٍ لنسدّ رمق المعاني. لصوت محمود درويش تأثير وأثر ونتيجة السِّحر في الدهشة والقدرة على الإدهاش لأنه يفتنُ ما زاد على حاجات التعبير. إنها ملحمة شعريّة موسيقية غنائية. يتسلّلُ محمود درويش إلى أوراق النوتات ويرشّ مِلْحَه. الجدارية مرثية الحقيقة الأبدية”.

عن حدسه، وكيفية تطلُّعه إلى الجدارية، وتوصيفه بلغته، وعلاقته بها، قال مرسيل: “أسمع موسيقاها وأنغامها وشذاها وروحها كمن يتسمّع خفيةً إلى دقّاتِ قلبِ جنينٍ. أُبصرُ وأتلمّسُ تقاطيعها وهيئتها، وجِلدَها ومسامها وسماواتها، ومقاماتها وتفاصيلها الدقيقة وحركاتها، وأقول: إنّه ثأرنا من الزمن، من البَوْنِ الرهيب والإضمحلال إلى العدم، من التضاؤل والتشظّي! إنها سعوف فوزنا وغَلَبَتنا على العبث… تشفّ الجدارية هذه عن صدى نحاسيّات من بُروق التاريخ منذ الإغريق، إلى الفراعنة، إلى خُوذاتِ جيوش الملاحم… تضمّ 175 آلة وصوتاً بشريّاً، ترافق صمتي الغائر في الأعماق والعباب كلّما أشرفت على حافة التجويف في آخِر الاعتراف. أنا لستُ لي!”.

عن السماع وكتابة الموسيقى والتأليف أفادنا مرسيل بأنه يدع النصّ الموسيقيّ أو الصوت الممتدّ نحو المطلَق يصدر منه وعنه بصورةٍ تلقائية طبيعية، من دون أن يهلكه أو يقيّده أو يحدّه بالقواعد والأصول الصارمة فيخسره بذلك.

ردّاً على سؤالنا لمَن يؤلّف ويكتب الموسيقى، أجاب: “لعصفورٍ يُغرقني ويغطّسني في هدهدته وهديله… للأمّهات اللواتي أشعلنَ لي ولنا شموع الدروب. للحبّ العظيم الذي يرثُ فُيوض التسامح البهيّ.. أُترجم ذلك وأكثر بلغةِ الموسيقى لِحَثِّ الناس على التلألؤ والبزوغ واجتياز النشوة. الموسيقى إلتماعاتٌ هائلة تحشد فينا مشاعلَ لا تنطفىء وجذواتٍ أبديّة”.

*

عبر موقع “هارموني توب إيجيبت” يُطْلِع مرسيل خليفة القرّاء والجمهور على مقتطفات من الجدارية:

في كل ريحٍ تَعْبَثُ امرأةٌ بشاعرها

– خُذِ الجهةَ التي أَهديتني

الجهةَ التي انكَسَرتْ،

وهاتِ أُنوثتي،

لم يبقَ لي إلاّ التأمُّل في

تجاعيد البحيرة. خُذْ غدي عنّي

وهاتِ الأمس، بعدَكَ، سوف يرحلُ

أو يعودُ

– وخُذي القصيدة إن أردتِ

فليس لي فيها سواكِ

خُذي “أنا” كِ . سأُكملُ المنفى

بما تركتْ يداكِ من الرسائل لليمامِ..

فأيُّنا منا “أنا” لأكون آخرَها؟

من أي ريح جئتِ؟

قولي ما اسم جُرحِكِ أعرف

الطرقَ التي سنضيع فيها مرّتين!

وكلُّ نَبْضٍ فيك يوجعني، ويُرجعني

إلى زمنٍ خرافيّ. ويوجعني دمي

والملحُ يوجعني..

أخذ الرُعاةُ حكايتي وتوغّلوا في

العشب فوق مفاتن الأنقاض،

وانتصروا على النسيان بالأبواق

والسجع المشاع، وأورثوني بُحَّةَ

الذكرى على حَجَرِ الوداع، ولم

يعودوا..

رعويّةٌ أيّامنا رعويّةٌ بين القبيلة

والمدينة، لم أجد ليلاً خُصوصيّاً

لهودجِكِ المُكلّل بالسراب، وقلت لي:

ما حاجتي باسمي بدونكَ؟ نادِني، فأنا

خلقتُكَ عندما سمّيتني، وقتلتني حين

امتلكت الاسم..

كيف قتلتني؟ وأنا غريبة كلّ هذا

الليل، أَدخلني إلى غابات شهوتك،

احتضنّي واعتصرني، واسفُك العسَلَ

الزفافيَّ النقيّ على قفير النحل.

بعثرني بما ملكتْ يداك من الرياح

ولُمَّني.

فالليل يُسلمُ روحَهُ لك يا غريب، ولن

تراني نجمةٌ إلاّ وتعرف أنَّ عائلتي

ستقتلني بماء اللازورد، فهاتِني

ليكون لي – وأنا أحطّم جرّتي بيديّ –

حاضِريَ السعيدُ

وأريدُ أن أحيا..

فلي عَمَلٌ على ظهر السفينة. لا

لأُنقذ طائراً من جوعنا أو من

دُوَارِ البحر، بل لأُشاهد الطوفانَ

عن كثَبٍ: وماذا بعد؟ ماذا

يفعَلُ الناجون بالأرض العتيقة؟

هل يعيدونَ الحكايةَ؟ ما البدايةُ؟

ما النهايةُ؟ لم يعد أحدٌ من

الموتى ليخبرنا الحقيقة / ..

أعينوني على جَلَدي. وأَسمع صرخة الحجر الأسيرة: حَرّروا جسدي.

وأُبصرُ

في الكمنجة هجرةَ الأشواق من بلدٍ ترابيّ إلى بلدٍ سماويّ. وأقبضُ في

يد الأنثى على أبديّ الأليفِ: خلقتُ

ثم عَشقتُ، ثم زهقت، ثم أفقتُ

في عُشبٍ على قبري يدلُّ عليَّ من حينٍ إلى حين. فما نفع الربيع

السمح إن لم يُؤْنسِ الموتى ويكمل

بعدهم فرح الحياة ونَضرةَ النسيان؟

أيها الموت، انتظرني عند باب

البحر في مقهى الرومانسيّين. لم

أرجِعْ وقد طاشَتْ سهامُكَ مرّةً

إلاّ لأودِعَ داخلي في خارجي،

وأوزِّعَ القمح الذي امتلئتْ به روحي

على الشحرور حطَّ على يديَّ

وكاهلي،

وأودّع الأرض التي تمتصُّني ملحاً،

وتنثرني

حشيشاً للحصان والغزالة. فانتظرني

ريثما أُنهي زيارتي القصيرة للمكان

وللزمان،

ولا تُصدقني أعود ولا أعودُ

وأقول: شكراً للحياة!

خضراءُ، أرضُ قصيدتي خضراءُ

عاليةٌ

على مَهَلٍ أُدّوِنُها، على مَهَلٍ، على

وزن النوارس في كتاب الماء. أكتبها

وأورِثُها لمن يتساءلون: لمن نُغنّي

حين تنتشرُ الملوحةُ في الندى..؟

كلّما يمّمت وجهي شطر آلهتي،

هنالك، في بلاد الأرجوان أضاءني

قمرٌ تُطوقّه عناةُ، عناةُ سيّدَةُ

الكنايةِ في الحكايةِ. لم تكن تبكي على أحد، ولكن من مفاتنها بكت:

هل كلّ هذا السحر لي وحدي

أما من شاعرٍ عندي

يقاسمني فراغ التخت في مجدي؟

ويقطف من سياج أنوثتي

ما فاض من وردي؟

أما من شاعر يُغوي

حليب الليل في نهدي؟

أنا الأولى

أنا الأخرى

وحدّي زاد عن حدّي

وبعدي تركض الغزلان في الكلمات

لا قبلي.. ولا بعدي

(…)

خذي النعاس وخبئيني في

الرواية والمساء العاطفيّ/

وخبئيني تحت إحدى النخلتين/

وعلّميني الشعر

قد تحتاج بنتٌ ما إلى أغنية

لبعيدها: ((خذني ولو قسراً

إليكَ، وضع منامي في يديكَ)). ويذهبان إلى الصدى متعانقين/

البحر لي

هذا الهواء الرطب لي

واسمي

وإن اخطأت لفظ اسمي على التابوت

لي.

أما أنا وقد امتلأت

بكل أسباب الرحيل

فلستُ لي.

أنا لستُ لي

أنا لستُ لي.

تأثيرُ أعلامٍ في الموسيقى والفنّ على مرسيل خليفة

* تراث سيد درويش لكُلِّ عصرٍ وأوان: أحدثَ ثورةً في الموسيقى العربية…

لدى سؤالنا عن مدى تأثُّره بسيد درويش قال مرسيل خليفة إن سيد درويش انفردَ بموهبةٍ موسيقيةٍ فذّة سادت شرفاً وعَلَتْ وطَفَتْ فوق التصوّرات كلّها. وأضاف: “اكْتَنَهَ سيد درويش في وقتٍ مبكر من عمره أنّ الموسيقى تعبيرٌ وتصويرٌ، وقد ابتدعَ الجديد المبتكَر، وخلق تراثاً للتداول في كلّ عصرٍ وأوان… ومن بصيص النور الخافت فوق أرصفة مقاهي وأركان حيّ “كوم الدكّة” في الإسكندرية بدأت ألمعية سيد درويش الحادّة تتمظهر”.

زارَ مرسيل خليفة هذا الحيّ وفوق جدران منزلٍ عند الناصية لمحَ لافتةً كُتِبَ عليها “شارع الشيخ سيد درويش”. “من الشارع الذي يحمل مدخله لافتةً بإسمه صعدتُ باتّجاه البيت”، أردف مرسيل مستفيضاً: “مررتُ بالمقهى الذي اعتاد روّاده الجلوس حول سيد درويش فيما كانوا يستمعون إلى غنائه وعزفه… إنه المقهى عينه الذي ارتاده ذات يوم أحد أصحاب الفِرَق الفنية واستمعَ إليه فيما كان يغنّي فضمّه إلى فرقته “أولاد عطا” ومعها سافر سيد درويش عن طريق البحر في الرحلةِ الفنيةِ الأولى له إلى الشام وكان ذلك سنة ١٩٠٩ بعمر 17 سنة. وقف سيد درويش على أحوال الموسيقى العربية في بلاد الشام، ثمّ عاد إلى حي “كوم الدكّة” يجلس في المقهى ليغنّي ويعزف. لكن سرعان ما قرّر الرجوع إلى الشام، وفي سنة ١٩١٢ قام برحلته الفنية الثانية إلى هناك مع فرقة “أولاد عطا”. مثّلت الرحلة هذه نقطةَ تحوُّلٍ كبيرة وهامّة في حياته، فقد تجدّدت الصلة بأصدقائه وأساتذته في دمشق وحلب وراح يحفظ عنهم ويستمع إليهم. وعندما عاد إلى الإسكندرية كان محمّلاً بأصول هذه الموسيقى الثريّة وحقّق نقلةً نوعية في نضجه الفنّيّ. سنة ١٩١٧ لحّن طقطوقة “سيبوني يا ناس في حالي أروح مَطْرَح ما روح”، سمعها منه الشيخ سلامة حجازي فطار بسيد درويش الناشىء فرحاً وقدّمه بنفسه إلى روّاد مسرحه. غنّى سيد درويش للناس وغنّاهُم وما زالت هذه الأغاني حيّةً نابضةً بصدقها في التعبير الزاخر؛ يردّدونها هنا وهناك وهنالك.

سيد درويش مدرسةٌ ضمّت كبار المخرجين، والأدباء، والنقّاد، والممثّلين، والمؤلّفين، والشعراء، والزجّالين… كان المسرحُ أداة تعبيرٍ لهذه المدرسة ومنبرها الحيّ المتنقّل. لقد أحْدَثَ سيد درويش ثورةً في عالم الموسيقى العربية. أخرَجَها من اعتبارها مجرّد أنغامٍ شاكية وباكية متلويّة، إلى فنٍّ حيٍّ نابضٍ، إلى موسيقى تعبيرية، إلى واقعٍ يَقِظٍ مُكْتَنِهٍ مُتَفَطِّنٍ متبصّر.

شهدت القاهرة سطوع نجمٍ لامعٍ وعلامة مضيئة في تاريخ الموسيقى العربية الحديثة. إنه تراثٌ فنّيٌّ ضخمٌ وفخرٌ للوطن العربي. قدّمتُ له ضمن أعمالي:

“طلعت يا محلا نورها” (ثمّة شريطٌ تحوّل إلى أسطوانة لمرسيل بعنوان “يا محلا نورها” يضمّ الأغنية) و”الحلوة دي” كتحيّةٍ لفنان الشعب سيد درويش”.

الأخوان عاصي ومنصور الرحباني وفيروز

تأثَّرَ مرسيل خليفة بالأخوين رحباني عاصي ومنصور، ويرى اليوم صاحب “كونشِرتو الأندلس” أنهما كانا يعرفان كيف يرافقان عَمُودياً اهتمامات الإنسان ومشاغله طيلة اليوم، وأفقياً مختلف الأعمار والبيئات الإجتماعية.

فيروز في عينَيْ مرسيل هي “الصوت الثابت المتماسك المذهل الخالد من أعماق الذين لن يرحلوا”. صوت فيروز وطنه، على حدّ تعبيره.

فريد غصن أستاذ مرسيل خليفة

عنه قال مرسيل: “من ذاكرة الطفولة وأجنحتها المصفِّقة أرى مقاعد دراستي على يد أستاذي فريد غصن. أُرهفُ إليه السَّمْعَ وهو يداعب أوتار آلة العود ببراعةٍ وتمرُّسٍ، ويهمس ناسجاً على نوَل مقام “زنجران” ومقام “الصبا” الشجيّ المترَع بالحنوّ والحنين والصبابة والشجن. ما زال صوته يرنّ بعذوبةٍ في أُذُنيَّ يقول لي: “لا تُصدِّق الكلام، بل ضَع ثقتك في أحلامك”. إسمه الأصليّ هو إلياس نعمة الله غصن شلالا. أذكر أنّ والده هاجر إلى مصر. لقد وُلد فريد في الإسكندرية سنة ١٩١٢، علماً بأنّ أستاذاً يونانياً قد تولّى تعليمه المبادىء والأسس والقواعد والنظريات الموسيقية. عام ١٩٣٢ بدأت أعماله الفنية بوصفه عازفاً على العود في فرقة الكمنجاتي سامي الشوّا وفي فرقة الشيخ أمين حسنين. ثم انتقل إلى فرقة منيرة المهديّة، علماً بأنها اصطحبتْهُ في رحلاتٍ إلى الخارج، أبرزها إلى فرنسا. لقد تابع تحصيله الموسيقيّ هناك، فكان العربيّ الأوّل الذي انضمّ إلى جمعية المؤلّفين والملحّنين. عاد فريد غصن إلى مصر حيث شاركَ في تأليف الأغاني لأفلامٍ عديدة، إلى جانب أعلام التلحين وأقطابه أمثال: محمد القصبجي، ورياض السنباطي، والشيخ زكريا أحمد. لم يقتصر ما قدّمه على الأغاني، بل كَتَبَ الموسيقى التصويريّة للعديد من الأفلام، وكان معروفاً على اعتباره ملحّناً مجدّداً. عمل في فرقة بديعة مصابني وكان ملحّناً لاستعراضاتها. سنة ١٩٤٦ أسّس الجمعية الأولى المنظّمة لرعاية مصالح المؤلّفين والملحّنين وكان معه يومذاك “موسيقار الأجيال” محمد عبد الوهاب وبديع خيري ومحمد القصبجي. لحّن فريد غصن لنور الهدى وللور دكّاش “آمنت بالله”، وللفنّانة الشحرورة صباح، وغنّت أسمهان من ألحان فريد غصن “اسمع البلبل، محتار قلبي ونار فؤادي ونور عينيَّ”. فريد الأطرش تتلمذ على يد فريد غصن وقد غنّى فريد الأطرش من ألحان فريد غصن “يا بدعدع ويا قمري نوحك علامي”، وهناك مونولوج “وقعت أودّع حبيبي” من كلمات أحمد رامي وألحان فريد غصن وغناء أم كلثوم، علماً بأنّ هذا المونولوج قد أُذيع على الأثير سنة ١٩٤١ ولم يُسجَّل. وهناك تفاصيل وأعمال كثيرة تؤكّد وتثبت مدى أهمّية أستاذي فريد غصن. حينما عزفتُ أمامه ضمّني رأساً إلى صفّه حيث درستُ على يده أربع سنوات، إلى أن أقعده المرض سنة ١٩٧٠. علاقة الانتماء التي تربطني بأستاذي تُمثِّلُ إحدى العلاقات المتنوّعة والمتعدّدة التي أتشرّف بها. ما معنى الحياة أصلاً بلا انتماءٍ وبلا عاطفةٍ وبلا حبٍّ؟… هذا الانتماء يتدثّر بسلوكٍ إنسانيٍّ ويلبس معطف ظلّه الوارِف في المقام الأوّل. فريد غصن هو المعلّم الذي نُقِشَت صورته في شغاف قلبي”.

حاورتْهُ: هالة نهرا

مرسيل خليفة: "جداريّة" تشفّ عن نِسْوةِ الياسمين وصدى النُحاسِيّات منذ الإغريق والفراعنة! المصدر : "هارموني توب إيجيبت"       يفترش أفياءَ أوتارِ العود المزدوجة ومخيّلته الهاطلة. يُعبّد طرقاتٍ ودروباً جديدةً في أفضية النغم المشرَّع على المُطْلَق، وعوالم التأدية والأداء وانثناءاتهما وانعطافاتهما. من "ديوان العود" المرتقب تتدلّى ثمار تجاربه المضيئة المتقاطعة والمتراكبة. يتبدّى فيه تجريده الذهنيّ الرفيع، وممارسته العزفية التاريخية التي شكّلت علامةً فارقة في القرن العشرين كما الحادي والعشرين على مستوى الآلة النبيلة والعريقة ومتطلّباتها ورؤاها العصرية والحداثية. الديوان اكتنفتْهُ كتابةٌ موسيقية ينتظرها الجمهور النخبويّ لتلقُّفه وتلقُّمه ودراسته. بالتوازي، يؤلّف الفنّان اللبناني والعربي الجماهيري مرسيل خليفة "جدارية" تستند أساساً إلى…

تقييم المستخدمون: كن أول المصوتون !

عن الخبر ال واي

شاهد أيضاً

هناء نور  تكتب : رقة التفاصيل

هناء نور  تكتب :  رقة التفاصيل      لا أميل لتضخيم الأشخاص، أو إلصاق صفات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *