الرئيسية / ثقافة / يا حبيبي الكبير، للشاعرة سليمى السرايري

يا حبيبي الكبير، للشاعرة سليمى السرايري

الشاعرة التونسية سليمى السرايري
يا حبيبي الكبير،،
….
الشاعرة التونسية سليمى السرايري

هذا المساء، مثل جميع المساءات الهادئة في البيت، أسترق النظر لذلك الكرسيّ العجوز في قاعة الجلوس، كأنّه يبتسم ابتسامة باهتة مليئة بالحسرة

الكرسيّ العاجز أن يستعيد صورتك وابتسامتك وضحكتك
الكرسيّ الذي بقي وفيا معنا لم يغادرنا كما أنت… !!
مازلتُ أتسمّعُ صوتك، وأقرع ُ أجراس الماضي، ذلك الماضي الذي ظننته طويلا بعدد السنوات التي فرّقتنا
أنت ذهبتَ إلى مدينتك البيضاء ، وأنا بقيتُ أسقي عمري ماء الصبر حتى لا يتشقق عطشا..
بينما السؤال يكبر في عتمتي ، من منّا الذي رحل يا حبيبي.؟
من منّا الذي مضى إلى آخره وجرّ وراءه ضحكتي ونضارتي وجمع ما تناثر من جنوني الجميل ؟؟
من الذي صمت الآن لتصبح الأمكنة أكثر ضيقا وعتمة؟
كيف يا حبيبي أقتفي آثار الجمال وقد تلاشى في زحمة الغياب كل ما كان ينبض بالحب والحياة…
كنتَ تدثّرني بنظراتك الدافئة وابتسامتك الصافية وتلك الخضرة الجذابة في عينيك،،
كنتَ ترتق ضفّة شرودي بسهولك ومواسمك وصباحاتك الرقيقة المليئة بأشجار الزيتون والنخيل وتشكّل خوفي رسما جميلا بألوان الحنان…
يا الله… !! أين يدك الآن وقد كنتَ تضمّ بين أصابعك مساحات شاسعة من الآمان..
عد بسرعة من اغفاءة ضبابك فقد سكنتني قواميسُ الأحزان واكتسحتني مواسم الرماد، فتغيّرتْ ملامحي واستحالت مواويل تئن على مرافئ الفقد..
ها أنا استعيدُ كلّ ذكرياتنا معا منذ كنتُ في الخامسة من عمري وأنت تمسك بيدي الصغيرة وتدعو المصوّر لكي يلتقط لي صورة في تلك الحديقة الصغيرة بساحة الإستقلال…كانت عيناك مليئة بالحب والحياة وأنت تارة تحملني بين ذراعيك حتى لا أتعب…وتارة أخرى تلاعبني لكي أضحك..
.
يا حبيبي الكبير،،
أيها الكون الشاسع
أيها النخل السامق
والغاب الأخضر
يا جنوبي الكرم
يا من تقيم إلى الآن في قلبي
وتسري في دمي
أبي………………
لقد غيّروا تلك الحديقة تماما بل وتغيّرت جميع الحدائق والأمكنة… وتغير الناس والوطن وأنت مازلت في الغياب ترسل لي صوتك وبياض قلبك وتسامحك الذي ورثته عنك…
حين غبت يا أبي، غاب أريج الحدائق ولم تبق زغاريد الفصول كما عهدتها ..
ليتك تراني،، فقد حققت بعض ما كنا نصبوا إليه معا،
ففي رصيدي الآن 3 دواوين وبعض المخطوطات تنتظر النشر ومعارض كثيرة قمت بها بعد ذهابك…
أنشطة على الساحة ولوحات كبيرة اقتنتها شخصيات بارزة كالوزير وكالأمير ووو
أحببت أن أقول لك يا أبي ، أنّي لم أتوقّف عن الإبداع كما كنتَ تريد وتتمنّى
لقد أنجزت شيئا صغيرا من أمنياتك
وها أنا وحدي أحترق من فقدك الكبير جدّا…
حزينة جدّا هذا المساء، وأدرك انها مشيئة الله غير أنّي يا أبي، سأكتبك كلما انتابني الوجع والشوق وتقاذفتني أيادٍ غريبة في حلكة الصمت…
—==-
سليمى السرايري
تونس في 11 جوان 2021
.
ذكرى وفاة والدي 11 جوان 2004

عن الخبر ال واي

شاهد أيضاً

هناء نور تكتب : هل كان حلما!

هناء نور تكتب : في مقام الأحلام” هل كان حلما! رأيت إديث بياف تضحك قائلة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *