الرئيسية / ثقافة / مقالات ثقافية / ” أسئلة الرواية المغربية “

” أسئلة الرواية المغربية “

” أسئلة الرواية المغربية “
قراءات في أعمال الروائي مصطفى لغتيري

الكاتبة نجية جنة / المغرب

عرفت الفترة الأخيرة من القرن العشرين تحولات وتطورات أثرت بشكل مباشر وغير مباشر على الإنتاج الروائي في العالم العربي بحيث تكيف هذا الإنتاج حسب الذوق الجديد الناتج على نبذ الأساليب التقليدية ومسايرة الواقع الجديد بكل تجلياته الفكرية و الاجتماعية والسياسية ، معتمدا في ذلك على خلخلة النظام الأيديولوجي لغويا ودلاليا، فنتج عن ذلك صدور أدب يواكب القيم الجديدة للمجتمع ، وتعتبر روايات لغتيري ضمن الأدب الذي لامس الواقع وحاول فضحه ومعالجته بأسلوبه الساخر والسهل الممتنع .
إن عالم لغتيري الروائي حافل بالمحكيات المختلفة وبالأحاسيس والإثارة ، بالإضافة إلى النظريات النفسية والاجتماعية المختلفة الشيء الذي جعل تجربته تكتسب تميزا خاصا كجنس أدبي ، فإطلالة على رواية من رواياته تجعلك تؤثث نظرية خاصة اتجاهها،فرواياته تجمع بين الواقع والخيال ، وبين النفسي – الذاتي والاجتماعي والتاريخي، جلها تتميز بأفقها المنفتح ونهاياتها المتواصلة والتي تجعل المتلقي يعيش التجربة بكل تناقضاتها ومفارقاتها .
ويندرج الكتاب النقدي الذي بين أيدينا للأساتذة سعيد بوعيطة ونور الدين بلكودري ومحمد داني والذي صدر عن مطبعة دار القرويين سنة 2012 ضمن الدراسات النقدية التي تواكب الإصدارات الحديثة بالدراسة والتحليل، وقد اختاروا روايات الأستاذ لغتيري كنموذج وذلك لغزارة انتاجاته وتنوع موضوعاته الروائية.

الأديب والكاتب مصطفى لغتيري/ المغرب

وقد حاول كل واحد دراسة جوانب مختلفة في مجموعة روايات .
بحيث تناول الأستاذ سعيد بوعيطة رواية رجال وكلاب ، عائشة القديسة و رقصة العنكبوت معتمدا في ذلك على مجموعة من التصورات والمناهج التحليلية .
فتطرق الى جانب السرد الروائي في رواية رجال وكلاب و النصوص الشذرية القصيرة المهيمنة عليه و التي تتخذ من الانشطار السردي بناءا دائريا على مستوى الزمن ، أما الجانب النفسي فيتخذه الكاتب موضوعا ليكشف عبر السرد الغرائبي علاقة الإنسان بالحيوان ، والسلوكات النفسية الغريبة وأبعادها الروحية والميتولوجية وعلاقتها بالواقع .
وفي رواية عائشة القديسة فقد اعتبر الميتولوجيا أساس السرد وربطها بشخصية الرواية وهواجسها على مستوى الوعي واللاوعي ، وعلى مستوى تداخل الزمان والمكان و الأحداث .
أما دراسته لرقصة العنكبوت فقد ناقش فيها طبيعة العلائق بين الشخصيات على ضوء السيميولوجية البنيوية ، وقد اعتبر الحوارات السردية أداة لكشف خبايا الشخصيات وصراعاتها .

أما الأستاذ نور الدين بلكودري فقد تناول رجال وكلاب ، ليلة إفريقية ، على ضفاف البحيرة ثم رقصة العنكبوت ، محاولا كشف الأبعاد العلائقية بين الشخصيات معتمدا في ذلك على التحليل النفسي وعلى تقنيات متعددة .
فاعتبر رجال وكلاب رواية الذات بامتياز بحيث اعتمد الروائي على ضمير المتكلم ليقدم تداعياته بالشكل والطريقة التي يراها هو ، ويبقى صوته منفردا في السرد، واعتبر تقنية الفلاش باك أداة ليتحدث عن ماضيه بكل صعوباته وانهزاماته.
أما تحليله لليلة إفريقية فقد جاء على ضوء مقارنته لقصائد ايمي سيزير ، بحيث استعرض آراء الكاتب حول البعد الإفريقي في الرواية والذي توخى منه رد الاعتبار للإفريقي الذي يعاني من الميز العنصري .
وفي على ضفاف البحيرة ، يرى الناقد أن طريقة السرد تختلف ، بحيث اعتمد الكاتب على تقنية تعدد الأصوات رغم وحدة المادة الحكائية ، وبهذا تمثل هذه الرواية صوتا متجددا في أعمال لغتيري.
ويرى الأستاذ بلكودري أن رواية رقصة العنكبوت تتميز هي الأخرى بحبكة خاصة بحيث اعتمدت على خطاطة مضبوطة و مرنة بعيدة عن التشظي وتداخل أزمنة الحكي وأما الشخوص فيرى الناقد أنها تتميز بعفويتها التي أضفت عليها طابع الواقعية .

أما الأستاذ محمد داني فقد تناول الأبعاد التاريخية و العجائبية الإنسانية في كل من ابن السماء وليلة إفريقية وعائشة القديسة ورقصة العنكبوت .
بحيث يرى أن لغتيري يعي جيدا أهمية استنطاق التاريخ ومساءلته والغاية من وراء ذلك هو الوصول إلى العبرة و الاستفادة من أخطاء الماضي . فابن السماء اعتمدت على الميتافيزيقا ، بحيث استلهمت سير الأنبياء وفترة السيبة والاستعمار للاحتجاج على الحاضر بأزماته ومآسيه وفضح السلوكات الاجتماعية المسكوت عنها.
ولكنه في دراسته لليلة إفريقية فيرى الأستاذ داني أنها تجسيد لتساؤل المواطن المغربي عن الهوية و الاختلاف و الغرابة و الانفصامية في علاقته مع الإفريقي الأسود البشرة ، بحيث تتميز هذه العلاقة بالعدائية في غالبيتها و التي لها مرجعية تاريخية أيضا.
كما أن الناقد محمد داني تناول بالتحليل المنظومات البنيوية في جل روايات لغتيري ، فيرى أن كلها تعتمد على أزمنة متنوعة (الزمن الروائي والذي يعتمد على المفارقات التي تعطينا عدة دلالات، والزمن التاريخي الذي يعكس التمزقات الاجتماعية و الانسانية التي يمر منها المجتمع وبهذا يفضح الواقع ويعريه، ثم الزمن الملحمي ومن خلاله يتمرد الكاتب على الواقع ويمرر أيديولوجية معينة من خلال الأحداث والصور و السلوكات التي تفضح ما هو مسكوت عنه ، أما الزمن النفسي فيسيطر من خلاله على القارئ ويجعله ينصهر ويتقمص الشخصية وخصوصا في رواية رجال وكلاب ، ويظل الزمن النفسي يقدم صورا عن واقع الإنسان وحياته وأحلامه وطموحاته وخيباته .
إن هذه الدراسات النقدية للسادة النقاد قربتنا من المسار الروائي للأستاذ لغتيري وستسهم بشكل فعال في جعل القارئ يتذوق ويستنبط ما هو بين سطور الروايات. .

 

عن الخبر ال واي

شاهد أيضاً

“سوسْطارَة”… الحَفْرُ فِي عَوَالم الظِلّ

“سوسْطارَة”… الحَفْرُ فِي عَوَالم الظِلّ مقالة الروائي الكبير واسيني الأعرج عن ” سوسطارة”، لروائية حنان …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *