الرئيسية / ثقافة / مقالات ثقافية / تشغيل الذاكرة والحلم في مجموعة ” أحلام مؤجلة” للقاص لحسن بنيعيش

تشغيل الذاكرة والحلم في مجموعة ” أحلام مؤجلة” للقاص لحسن بنيعيش

تشغيل الذاكرة و الحلم في مجموعة ” أحلام مؤجلة” للقاص لحسن بنيعيش

 

القاص عيسى ناصري/ المغرب
القاص عيسى ناصري/ المغرب

        إذا كانت القصة القصيرة بالمغرب قد استأثرت باهتمام متزايد في العقود الأخيرة سواء على مستوى الإنتاج أو التلقّي أو الممارسة النّقدية، فإنّ الهامش المغربي قد أفرز تجارب إبداعية رائدة وَسَمَت المَشهد القصصي ببلادِنا بِمِيسمِها، ونحتت لها مكانا بين تياراته، فاحتضَنَها وتلوّن بأطيافِها. الهامش الذي أضحــى يؤصّل للون قصصيّ مائــز يعكس مُتغيراتِ البيئة الهامشية، ويسافر موضوعاتيا عبر تيمات حيويّة كالحُلم والذاكرة المحلية، فرديةً وجماعيةً، ليُوصل صوت الهامش، ويعبّر عن التجربة الاجتماعية والسّيكولوجة لهذا الإنسان الذي نَأَتْ به الجُغرافيا عن المِحور أوالمركز. ومِن الكتّاب الذين اجترحوا الكلام بلسان الهامش القاصّ لحسن بنيعيش في مجموعته الأولى “أحلام مؤجَّلة”. في هذه المجموعة تتداخل موضوعتان أساسيتان في نسج عوالم القَصص، هما الذاكرة والحُلم، وعبرهما يخاطب الكاتب القارئ ويستدرجه من حيث لا يعلم، ليفصِحَ له عن رؤياه ويورّطه في حلمه المُؤجل.  فكيف تناول الكاتب تيمة “الحلُم”؟ ما مُستويات حُضور الحُلم في قَصَص المجموعة؟ وما نصيب الذاكرة من هذه الأحلام المؤجلة؟ ما أنماط الذاكرة المُفعّلة في المجموعة؟ وكيف تم تفعيلها أو تشغيلها؟ ألم يكن تشغيل الذّاكرة على  حساب التخييل القصصي؟ كيف تقاطعت الذاكرة والحلم في الواقع الذي رصده الكاتب؟ وإلى أيّ حدّ ساهما (الحلم والذاكرة)  في تشكيل العوالم القصصية في “أحلام مؤجلة”؟

ـ 1 ـ الحلم: سماتُه ومستوياته في قَصص المجموعة.

  الحُلم وسيلة يتخلّص بها الإنسان من الفضاء الضّيق للانطلاق نحو فضاء أوسع. هو عالم الممكن المُستقبليّ الذي قد يأتي أو لا يأتي. بِهذا المَفهوم استعمل الكاتب بنيعيش الحُلم في مجموعته، على مستوى عتبة العناوين، والأحداث، والشخصيات والأمكنة.

    أــ على مستوى العَتَبات: يُشهر لنا الحُلم نفسَه مِن عتبة العنوان، وقد جاء بِه الكاتِبُ جمعا “أحلام” لإفادة الكثرة والتعدد، نكرةً لإفادة الإبهام والانفلات وعدم التّعيين. وألحَق كلمةَ “أحلام” بِصفة “مؤجلة” للدلالة على حالة الحرمان والعجز واليأس التي تعترض الشخص الحالم وتحول دون بلوغِه الحلم وجعلِه واقِعا، ليضعنا العُنوان  أمام مفارقة تَلْحَم بين ثنائيّات مُتباينة وهي الحلم/الواقع، الممكن/ اللامُمكن، الرغبة/اليأس. فتصير هذه الأحلام، باعتبارها رؤى مُستقبلية، مُجهضةً ما تكاد تُولد حتّى تموت.

غلاف أحلام مؤجلة للقاصّ لحسن بنيعيش
غلاف أحلام مؤجلة للقاصّ لحسن بنيعيش

     وبانِتقالِنا إلى عناوين المجموعة الأربعَة عشر، نجد أغلبها يتّسم بحضور الحركة أو الرحلة أو السّفر كما في ” العودة”، “طائر النورس” ، ” السّفر”،  “ويختفي القَمَر” ، “فاطمة الزّهراء ورحلة النِّسيان”، “شمال جنوب”، “رحَلَ النّهار”، فالسّفر هنا أو الانتقالية، يرتبط ارتباطا وثيقا بالحُلم. السّفر مُحرِّك الحُلم، وبالحُلم يتحرّك، إنّه هنا سفر نفسي سيكولوجيّ قبل أن يكون فيزولوجيا. هذا السّفر، مِن خلال العناوين، لا يفضي إلى النتيجة المرجُوّة المحلوم بها، بل ينتهي ب”العودة” الفاشلة، والخيبة ورحيل الأماني والأحلام، والرغبة في النسيان، مثلما يبدو جليّا في”رحل النهار” و”يختفي القمر”، و”فاطمة الزهراء ورحلة النِّسيان”.

ب ـ على مُستوى الأحداث، نجد كلّ المسارات السردية تسير على إيقاع الحُلم، وتنتهي عند نقطة إجهاض الحُلم أو توقفه في منتصف الرّحلة. فالبطل في القصة الأولى “عودة” يسعى إلى إيجاد شغل ولو عمل حقير في ورشة بناء، ليعود خائبا، ذلك بعد رحلة مضنية:  ” وفي يوم وليلة كانت الرّحلة وانتَهَتْ، وتبخّرتِ الأحلام”ص 11. وفي قصص “فاطمة الزهراء ورحلة النّسيان” و “شمال جنوب” و “رحل النّهار” يرصد الكاتب فشل أبطاله في بلوغ حلمهم العاطفي، فيكون اليأس والعجز والخيبة خاتمتَهم: يقول البطل مخاطبا نفسه ” أدركت أنّ أبواب الزهراء موصدة مُقفلة، سافِر وحيدا ولا تُحاول أن تلتفت أبدا إلى الوراء” ص37. ويقول البطل رشيد في “شمال جنوب” ليس لديه عنوان كامل.. نداء فرحة مقبور بين الضّلوع تمّ اغتياله فور انقلاب خطير فماتت الفرحة، واختفت الابتسامة خلف حجاب قلق سميك” ص 46. فعلى هذه الشّاكلة بنت مُعظم قصص المجموعة أحداثها، حيث تَمّ تشغيل طاقة الحلم لتحريك الحدث وتأزيم عُقدته وحلّها في النّهاية بِحُلمٍ مُؤجّل.

ج. على مُستوى الشّخصيات: إذا ما أردنا تحديد السّمات النفسية لشخصيات هذه القَصص، فإنّ أول ما نسجله عنها أنّها شخصيات حالمة. أي أنّها مدفوعة بحساسية الحُلم والرّغبة، لبناء وخلق أسطورتها الشّخصية، إنها شخصيات قلقة تُفرغ قلقها في الحُلم. فالشخصيات الرّئيسة في القصص : رشيد، الأستاذ، فؤاد، خالد، السّارد المُشارك المتحدث بضمير المتكلم في أغلب القصص، كلّ هؤلاء يشدّهم الحُلم إلى مُستقبل أفضل. وأحلامُهم هنا نوعان:  

 ـــ  أحلام ذاتية: وتتلخص في رغبة تحقيق الذات، وذلك على  المُستوى العاطفي، حي تعيش الشخصيات تشرذما وحِرمانا ناتجا عن فشلها في الحُب. وكذا على المُستوى المادّي، فالبِطالة والفقر شبحان يلاحقان أحلام هؤلاء، ويقلقان مضجعهم، ويمنعانهم من الانطلاق إلى الأُفُق الرّحبة ومعانقة

الأحلام الوردية. يقول السارد: كفى من جلد الذات، ماذا كان عليّ أن أفعل أكثر مما فعلت..حتّى الأفكار التي كُنت أحلمُ بِها أصبَحَت تتهَوّى فوق رأسي كأوراق الخريف، فلا العَمَل ولا المال ولا الاستقرار تَحَقق، حتّى الزواج باتَ حقّا مُؤجّلا باستمرار” ص58.

ـــ أحلام جماعية:  في ظلّ المشاكل الاجتماعية التي عاشها ويعايشها المغرب، وكذلك غياب الحكامة في تدبير قطاعاته (قطاع التعليم مثلا)، وفي ظلّ الأزمات القومية والإنسانية (أزمات العراق وفلسطين وسوريا)، فإن الشخصيات تنشأ لديها أحلام بتغيير الواقع، ولأنّها شخصيات مُثقّفة فهي مسكونة بالهمّ المُجتمعيّ والإنسانيّ،  يحفزها حُلمٌ مجتمعي بالغد الأفضل، بل يحذوها حلم كونِيّ ينأى بالإنسان عن الحروب والقتل والعنصرية والكراهية.

د. على مُستَوى الفضاء المكاني: ينجلي الحُلم على مُستوى المكان أيضا، وينجلي هذا في استحضار القاصّ الأمكنةَ الهامشية التي ترزح تحت التّخلّف والتهميش، وأبرزها مدينة “بوذنيب” المحسوبة على المغرب المنسيّ. والتي تكررت في المجموعة في غير ما مرة، و خصّها بِعنوان مُستقلّ “بوذنيب: الحلم المُؤجّل”. إذ إنّ تغيير المدينة وتأهيلها وتجهييزها بِما يليق مكانَتها التاريخية، حلمٌ طغى على وَعْي ولاوعي الكاتب، ولِمَ لا، وهي مسقط رأسه، يمُتُّه بها ارتباط عاطفي قديم. 

ـ 2 ـ الذاكرة: أنماطها وكيفية تشغيلها

   الذاكرة هي المرجعية الوجدانية والثقافية، هي الرصيد العاطفي والشعبي الذي يغترف منه العمل الإبداعي، وقد عمد القاص إلى تفعيل هذه الذاكرة، إذ نعثر بين تلافيف الأضمومة على نمطين اثنين من الذاكرة:

ــ الذاكرة الفردية: وهي ما يختزله المُبدِع من أحداث مُرتبطة بحياته الشّخصية، إنّها السّجلّ الذاتي الذي يستدعيه أثناء الكِتابة. إذا  كان مُعظم الكتّاب يجدون ضالّتهم في الذاكرة الطفولية، بالعودة إليها للاغتراف والاقتيات مِنها، وإعادة قراءة وتقليب صفحاتها من جديد بنوسطالجيّة آسرة، فإنّ لحسن بنيعيش، يولّي في مجموعته شطر مرحلة الشّباب، باستحضار الذاكرة الشّبابية في أشكالها التالية:

الشكل الأول: يتمثل في فتح سِجلّ ذكريات الحياة الطّلّابية، حيث الولع بالفنّ وقراءة الكتب والشعر، هذا ما ترصده قصة سمر فنّي. يقول فيها: “كان طالب مُلقى على السّرير يقرأ لبلزاك أو موليير أو ديفيني.. أما جواري فكان أبو حمادة في إعداد بحثه الجامعي حول الشعر المُعاصر” ص 20.

الشكل الثاني يظهر في استرجاع فترات البطالة ومعاناة البحث عن شغل ورسم معالم سنوات القهر والحرمان والضّياع.

الشكل الثالث لاستحضار الذاكرة ينجلي في هذه القصص مِن خلال الطّفح العاطفي الذي أشاعه الكاتب في ثنايا بعض النصوص، مُعبّرا عن جذوة الحُبّ الأولى التي اتقدت وثبتت في قلب رشيد في قصة “شمال جنوب”، وأوجعت حُلمَ السارد في “فاطمة الزّهراء ورحلة النسيان”.  ومن هنا نسجل ملاحظتين: أولاهما أن تشغيل الذاكرة الفردية عند بنيعيش يأخذ شكل سيرة، مما يجعلنا أمام تداخل للسيرذاتي بالقصصي، فهذه الشخصيات الشّابة بحماسّتها ولهفتِها ماهي إلا ظلال محسوسة للكاتب بنيعيش، أو صور مرآوية تعكس ذاكرة الكاتب الشخصية أيام كان طالبا في مُقتبل العُمر. أما الملاحظة الثانية مفادها أن استِحضار الكاتب الذاكرةَ الماضية ووضعها في قالب الحاضر، ماهو إلّا تعبير عن قوّة الماضي وسلطته وتأثيره على الحاضر/الواقع.  فمثلا لولا معاناة الماضي التي عاشها الكاتب، لما نجح وتألّق.     

ـــ الذاكرة الجماعية التراثية:

 يراد بالذاكرة الجماعية ما تمّ توارثه لدى المجتمع من  حكايات وأمثال وحِكم وفنون تعبير وغيرها من الموروثات التاريخية. وقد استلهمت القصة المغربية الذاكرة الجماعية الموروثة، ومن ذلك استحضارها واستثمارها لنصوص ألف لية وليلة، وكليلة ودمنة، وحي بن يقضان وغيرها من المحكيات، مثلما نجد عند شيخي القصة المغربية المخضرمَين أحمد بوزفور في ديوانه “السندباد” وعبد الحميد الغرباوي في محكياته “رأس الخيط” مثلا، وغيرهما مِمّن تبعهم بالحكي إلى يومنا هذا. وهو الشيء الذي نعثر عليه جليا عند لحسن بنيعيش، فنجده يُشغّل الذاكرة الجماعية التراثية في تمظهراتها التالية:

    أوّلا: استحضار التراث الشعري العربي القديم والحديث، عبر إثقاله لمفاصل المجموعة باستشهادات شعرية مِن عيون الشّعر العربي.

    ثانيا: استلهام الموروث الشعبي المغربي من أغانٍ كالظاهرة الغيوانية مثلا في قصة “ويختفي القمر” ص3، و أغانٍ مغربية ك”موحال ينساك البال” .. وكذلك من أمثال شعبية ك”المزغوب حتى ليلة عرسو قصيرة” ص56 ، وبعض التعابير المسكوكة الدارجة على ألسن العامة ك”فقيه كايجمّد الما، ولا كايضرب الخطّ الزّناتي ص 56. ” مازالة الحنّة دالعرس فيدّيها ” ص55

   ثالثا: استدعاء الشخصيات التاريخية والحديثة بحمولتها الواقعية والرّمزية مثل صدام حسين ص77، البوعزيزي 57،  جنيفر لوبيز 56،  بوش ص80،وبعض العلماء المسلمين كجابر بن حيان،الرازي ص81  

      وهذا الرجوع إلى الذاكرة الجماعية  يعمد إليه الكاتِب عمدا كلّما ضاقت العبارة أمامه  واتسعت الدلالة عن واقع مُتقلّب لا يستقرّ على حال. وهنا نقول إنّ الرجوع إلى الذاكرة لم يكن هروبا للكاتب من الواقع بقدر ما هو دعوة إلى قراءة الواقع قراءة جديدة على ضوء الذاكرة. كما أن حضور الذاكرة وتشغيلها لم يكن على حساب التخييل القصصي طبعا، الذي له نصيب وافر في نصوص المجموعة .

على سبيل التركيب: إن القاصّ فتح أبواب نصوصه على دِفّتي الذاكرة والحلم (الماضي والمستقبل)، وبينهما نَصّبَ الواقعَ ( الحاضر) شاهدا على أحلامٍ يانعة لم يحن قِطافها، هي أحلامُنا جميعا.

عن الخبر ال واي

شاهد أيضاً

“سوسْطارَة”… الحَفْرُ فِي عَوَالم الظِلّ

“سوسْطارَة”… الحَفْرُ فِي عَوَالم الظِلّ مقالة الروائي الكبير واسيني الأعرج عن ” سوسطارة”، لروائية حنان …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *