الرئيسية / ثقافة / مقالات ثقافية / جولة بانورامية في رواية”ليلة إفريقية” للكاتب مصطفى لغتيري

جولة بانورامية في رواية”ليلة إفريقية” للكاتب مصطفى لغتيري

     جولة بانورامية في رواية”ليلة إفريقية” للكاتب مصطفى لغتيري

الباحث: محند أحمو/المغرب

  يحكي السارد في رواية “ليلة إفريقية” ضمن فصلها الأول، الذي يعتبر محوريا وأساسيا، عن معاناة رجل خمسيني اسمه يحيى البيضاوي، فقد الأمل بعد تجاوزه خمسين سنة من عمره، ليجد نفسه غير قادر على المقاومة، يعاني من الوحدة والضعف.

     وقد كان هذا الروائي بطل الرواية مزهوا بمجد تحقق لرواياته التي كانت تصدر تباعا، فيحتفي به النقاد والقراء والمعجبون في عدة مدن عربية وأجنبية مثل الجنين الذي كان في بطن أمه يصل إليه هواؤه وغذاؤه والناس تتطلع إلى رؤيته وتنتظر قدومه بفرح وسرور، إنها المرحلة الجنينية والمجد الكاذب، كما سماه الروائي، لأن ما تحقق له كان بسبب الحفاوة التي نالها وظفر بها من لدن القراء والمعجبين، وبدونهم لا يستطيع الاستمتاع بحياة الزهو أو المتعة الأدبية الممزوجة باهتمام الأدباء والنقاد ومخرجي السينما.

     وفي مرحلة موالية وهي مرحلة الطفولة، من خلال رواية المهدي الناجحة التي وظف فيها معطيات التاريخ، يحكي لنا عن طفولته عندما كان في ريعان الصبا يتتلمذ على يد معلمه كان يحكي لهم في فصل الدراسة حكاية المهدي بن تومرت فستشعر عوالمها التي تبدو له غير حقيقية أو عبارة عن حلم يتوهمه، ويقارنها بحكايات جدته وأمه، ويخلص في نهاية الأمر إلى أن معلمه يمتلك مواصفات الرجل القدوة الذي تتمثل وتتهيء له صورته في مختلف شخصيات الحكايات التي يحكيها لهم في مادة التاريخ، إنها رواية داخل رواية أو ما يصطلح عليه بالميتارواية.ليلة إفريقية

     بعد ذلك ينتقل إلى سرد طريقة كتابته لرواياته التي ينسجها من خياله، ويعتمد فيها على حكايات تاريخية في بداياته الطافحة بالنجاح والتألق، ويقارنها بطريقة الشباب المعاصرين الذي يهتمون بذواتهم، ولا يهتمون بقضايا المجتمع وأفكاره على حد تعبيره، ويستحضر علاقته المتوترة بالأدباء من جيله، إنها مرحلة الشباب.

     في مرحلة أخيرة وهي مرحلة الشيخوخة، يرى نفسه فيها متجاوزا يتجاهله الجميع، مما زاد من إحساسه بمرارة حرمانه من دفء الأسرة وغياب الحياة العائلية التي انشغل عنها بالكتابة الأدبية التي لا يملك أن يعوض بها كل ذلك، مما جعله يشعر بالأسى والحسرة، ينتظر الموت وسط حياة التجاهل واللامبالاة.

     في الفصول الموالية يحكي لنا الروائي مصطفى لغتيري، كيف كان يعيش يحيى البيضاوي حياة روتينية، يشوبها الركود والاستسلام للزمن، ويكشف للقارئ عما كان يدور بخلده من هموم ومشاكل، وقرارات اتخذها بدافع الإحباط والحيرة، والتخبط في أعماق نفسيته المهزومة أمام تصاريف الزمن الذي يراهن على حركيته، ويتنبأ لنا بنبوءة نصفها تحقق والنصف الآخر لم يتحقق.. أما الشطر الأول منها فهو ما يصطلح عليه بالثورات العربية (الربيع العربي)، التي قلبت الطاولة على معظم الأنظمة السياسية العربية التي لم تستجب لنداءات التغيير الذي تطالب به الشعوب العربية والإسلامية منذ زمن بعيد، فأكل عليها الدهر وشرب. وصدق الروائي في تنبئه حين راهن على حركية التاريخ الذي لا يحابي أحدا كائنا من كان.. ص17. أما الشطر الثاني فهو أيضا قد يكون الروائي أفلح في تصديره بكلمة ربما، حين استبعد أن يكون شاهدا عليها.. وها نحن نراه اليوم بيننا يشهد التغيرات والتطورات السياسية المفاجئة التي تنم عن افتتاح صفحات جديدة مثيرة ومشوقة من صفحات تاريخ البشرية جمعاء.

     وفي خضم أحداث الرواية المتعاقبة جعلنا الروائي نعيش لحظة المفاجأة السارة، حين انبثق ضوء الأمل في مسار حياته الأدبية، بسبب رنة هاتفية جعلته يعود من جديد إلى مضمار الحياة التي يرجوها، في ضوء عالم الرواية والندوات واللقاءات مع عشاق ومتذوقي فن الرواية التي لا يستطيع العيش بعيدا عن أضواءها وعوالمها التخييلية المترفة بالنشوة والمليئة بخواطر الانعتاق نحو الحرية اللامحدودة، هروبا من سراديب التقوقع في خيبات الأمل التي كان يعاني منها، والتي تبخرت بمجرد توصله بدعوة لحضور اللقاء الثقافي بمدينة فاس حول الرواية المغربية بين الأمس واليوم.

  

الأديب والكاتب مصطفى لغتيري/ المغرب
الأديب والكاتب مصطفى لغتيري/ المغرب

   وأثناء السفر نحو فاس على متن القطار التقى يحيى البيضاوي بفتاة إفريقية كاميرونية اسمها كريستينا، ذات بشرة سوداء لامعة، وكانت تبدو له في صورة أميرة متواضعة تتصف بالحياء والخجل، مقارنة بالفتاة الأوربية الجميلة التي كانت معهم في نفس المقطورة، إلا أنها مزهوة بنفسها ونظراتها ملؤها الاحتقار للفتاة الإفريقية التي اهتم بها يحيى وأفلح معها في نسج خيوط حوار هادئ وهادف، تعرف من خلاله عليها، ووصف بدقة متناهية كل حركاتها وسكناتها في تصوير تخييلي بديع وراقي. وهنا يتجلى توظيف الروائي مصطفى لغتيري للغة، باعتبارها مكونا أساسيا في إضفاء الطابع التخييلي المناسب لوصف فضاءات وشخوص الرواية بكل تفاصيلها الدقيقة، باستعمال التعابير والكلمات المناسبة في كل فقرة من فقراتها التي تتضمن أحداثها المتتالية والمنسجمة. 

-التيمات البارزة في الرواية:

     من خلال الحوار تبرز كل التيمات الأساسية، التي تعرفنا بالعنصر البشري الإفريقي الذي أورد من خلاله الروائي اهتمام المغاربة بالوافدين الأفارقة، الذين تحدوهم الرغبة في البحث عن فرص أفضل للعيش، واستثمار كل الإمكانيات المتاحة التي يوفرها المغرب لكل الشعوب الوافدة إليه.

     لقد برزت في تلك المحاورة بعض المواصفات الحقيقية التي حاول الروائي أن يشخص بها صورة المرأة الإفريقية، أو بالأحرى الإنسان الإفريقي الذي يتميز بالابتسامة والرقص الفولكلوري، الذي تحترفه الفتاة كريستينا، للمشاركة في أحد المهرجانات بالمغرب بمدينة فاس.

     وأبرز التيمات الثاوية في ثنايا هذا النص الروائي هي كالآتي:

 – تيمة  معاناة المهاجر الإفريقي، الذي يعاني الحيف وهضم الحقوق من لدن بلده الأم الذي جاء منه .

 – تيمة الحياة البرية وحيواناتها المختلفة في أدغال إفريقيا التي سرح الروائي يحيى البيضاوي في سرد بعض تفاصيلها الممزوجة بروعة الطبيعة في أعماق القارة الإفريقية.

 – تيمة الغنى الطبيعي لبلدان إفريقيا وما تمتلكه من ثروات هائلة استغلتها القوى الاستعمارية للبلدان الأوروبية التي استنزفتها، ورمت الإنسان الإفريقي في ردهات التنكيل الوحشي، وتكريس الجهل والاستعباد الطبقي في أراضيهم وضيعاتهم.

 – تيمة النظرة الدونية التي يواجه بها الأفارقة من لدن المغاربة، بترديد كلمات مثل الضراوي(ة)، العزي(ة).

 – تيمة الاستقرار الذي يتميز به المغرب، بالإضافة إلى تعدد الثقافات التي يمتحها من العمق الإفريقي، الذي يتميز بالتعددية والغنى سواء من ناحية الإثنيات والديانات الوثنية، أو التراث الشعبي الذي يزخر بعدة إنتاجات أدبية إفريقية نجهل عنها الكثير.

 – في الحفل الراقص تبرز تيمة الاحتفالية بجمالية وروعة إيحاءات الرقص الإفريقي عن طريق الانشطار السردي.

     وبالعودة إلى تسلسل أحداث الرواية، ولج بنا الروائي إلى رحاب مدينة فاس، حيث تم تبادل أرقام الهاتف بين يحيى البيضاوي وكريستينا، وذهب كل منهما إلى حال سبيله وفي أثناء تجول يحيى في أرجاء المدينة تبرز تيمة الاحتفاء بالمكان، الذي قد يرقى أحيانا إلى منافسة أبطال الرواية في استئثاره بنصيب وافر من الوصف. وقد وصف لنا الروائي جمال مدينة فاس الأخاذ والساحر مثل لوحة بديعة في غاية التألق، مثل جميع المدن المغربية القديمة التي تتميز برونقها السياحي المصبوغ بفسيفسائها المتناسق في معالمها التاريخية والأثرية، وبساكنتها التي تتصف بالحركية وكرم الضيافة، ولباسها التقليدي ولكنتها اللغوية المختلفة.

     في المساء توجه يحيى نحو قاعة المحاضرات وهناك التقى بالشابة المغربية أمل المغيث التي لم يقدر في البداية من أول وهلة مواهبها وقدراتها على الإنتاج، وهنا تبرز تيمة الذكورية والنظرة الدونية للمرأة عموما، هذا من جهة.. ومن جهة أخرى بعد تناسل أطراف الحديث بين يحيى وأمل في خضم تلك الأمسية المخصصة للنقد الروائي تبين أنها من الجيل الذي يتميز بالحماس والاندفاع وينظر إلى الحياة نظرة مختلفة، بحس شبابي ملؤه الطموح والرغبة في إبراز القدرات والمواهب الذاتية، ولو على حسابه الخاص، غير مكثرت بالمؤسسات الرسمية.

المصطلحات الروائية في الرواية:

     برزت تيمة صراع الأجيال في عوامل الكتابة الروائية بكل خصائصها ومصطلحاتها وأفكارها النقدية، من خلال اختلاف الرؤى ووجهات النظر بين التيار الشبابي المتحمس التي ينتصر للتذشير والتشظي الزمني، ومنح البطولة للأشياء والانكباب على الذات بدل الكائن البشري بصفة عامة والتيار القديم الذي يركز على الإنسان وسرد وقائعه عن طريق الحكي مستعينا بالخيال ومادة التاريخ المليء بالأحداث.

     تطورت العلاقة بين يحيى وأمل، وتحولت إلى قصة حب ورغبة في الزواج، وكانت أمل بالنسبة له مثل نقطة الضوء المنبعث الذي سمح له بتغيير وجهات نظره، وطريقته في الكتابة لتكون شخصية من بين الشخصيات التي بنى حولها روايته الجديدة، بعد أن أعجب بها وتحدوه رغبة ملحة ليربط معها علاقة زواج تؤتث حياته الجديدة ص53-54.

     بعد ذلك سترحل أمل، مما يجعل حالة من الحزن تنتاب الروائي يحيى حين يكتشف أنها مخطوبة فيغادر فاس، ولكنها تبعث الأمل في نفسيته من جديد، حين أخبرته في رسالة أنها غادرت بسبب إصابة خطيبها بشلل نصفي نتج عن حادث تعرض له، وليلتقيان من جديد في الرباط.

     وهناك عاينا حدثا مريعا يتمثل في هجوم قوات الأمن على متظاهرين أمام البرلمان، وكان أمرا مريعا ووحشيا يجسد معاناة الشباب، وهناك يلفت انتباههما إلى اهتمامه بها، إلا أنها خيبت آماله من جديد فتبخر كل شيء، تبخر الحب وتبخر مشروع الرواية.

     وهناك لجأ إلى إحدى الحانات الليلية بالدارالبيضاء، على أمل العودة للمشاركة في لقاء آخر، وكل ما فكر فيه حينها هو قضاء ليلة مع امرأة إفريقية بشرتها سوداء.

دلالة الأسماء في الرواية:

-كريستينا: اسم يدل على المسيحية في كلمة le christianisme واسم المسيح أيضا Christian أو cris وسمي أيضا مسيحا لأنه يسيح فيه الأرض، وتيمة السياحة كانت حاضرة في هذه الرواية بدخول المكون الإفريقي إلى ربوع القطر المغربي.

أمل المغيث: دلالة على ومضة ضوء ينير طريق الأمل في الحياة بطابع ملؤه الغيث والانفراج.

-يحيى: يحيى دلالة على الرغبة في استمرار الحياة بكل حيوية.

-عنوان الرواية: ليلة إفريقية:

العنوان ينقسم إلى قسمين: ليلة: مبتدأ، وخبر:إفريقية.

– ليلة: إنها الزمن وامتداده، والليلة تحديدا تتصف بالسواد أو اللون الأسود الذي يرمز في الثقافة العربية إلى السؤدد والتوسع والانتشار في الأفق لأن الإنسانية جمعاء لا يمكن أن تستغني عن القارة الإفريقية لأنها نبض العالم وأمل المستقبل. والليلة بالذات لأنها أيضا على مر العصور تحدث فيها المعجزات والأحداث العظيمة مثل ولادة النبي صلى الله عليه وسلم، ومعجزة الإسراء والمعراج، وعدة معارك تاريخية خالدة..

– إفريقية: إنها الثقافة الإفريقية أو بالأحرى المرأة الإفريقية سواء كانت مسيحية (كريستينا) الوافدة من العمق الإفريقي، أو مغربية مسلمة (أمل المغيث).

عن الخبر ال واي

شاهد أيضاً

“سوسْطارَة”… الحَفْرُ فِي عَوَالم الظِلّ

“سوسْطارَة”… الحَفْرُ فِي عَوَالم الظِلّ مقالة الروائي الكبير واسيني الأعرج عن ” سوسطارة”، لروائية حنان …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *