الرئيسية / ثقافة / جلالة الملك يقول إنه حصان!

جلالة الملك يقول إنه حصان!

الناقد والروائي سامي البدري

جلالة الملك يقول إنه حصان!

سامي البدري

إذا ما تجاوزنا مقولة (الأدب يتحدث عن نفسه)، الساذجة الطرح والأفق، فإننا نخلص إلى جملة أسئلة: ما هو الأدب؟ لماذا الأدب؟ بماذا ينشغل الأدب؟ هل الأدب يعقد الحياة أم يبسطها؟

ولتقريب الصورة، سنفترض أن ملكاً ما، أراد أن يمارس أقصى تصور لسلطاته، فأهدى أحد رعاياه حماراً، حماراً عادياً جداً، وقال له إنه حصان، فمن سيجرؤ على أن يصور هذه الحالة ويسخر منها، دون أن يُشعِر الملك ويثير غضبه؟ بالتأكيد لا يستطيع تصوير هذه الحالة غير الأدب، وعليه فإن مهمة الأدب هي مهمة إشكالية في ذاتها، لأنها تبتدع طرقاً وصوراً استثنائية للتعبير عن الحالات الاستثنائية من مماحكات وتصورات الأفكار، التي ينتجها وعي وإدراك الإنسان (وعذراً لهذا التبسيط) بعد فراغه من إشباع بطنه وارتداء بدلة مكوية وجلوسه لشرب فنجان قهوة ترف الاسترخاء.

أهكذا وفي هذه اللحظة يولد الأدب؟ لنقل في هذه اللحظة – التي وصفنا آنفاً – يبدأ التفكير فيما يلي إشباع الغرائز، أي يبدأ النظر الواعي في أنفسنا وما حولنا وتبدأ عملية إنتاج الأفكار، وبالتالي يبدأ الأدب وباقي الفنون، والفلسفة أيضاً.

إذن الأدب هو عملية تحويل الأديب لأفكاره إلى مادة مكتوبة بجمالية، أما مهمة الناقد، وكما يقول تودوروف، فهي (تحويل فكر الأديب إلى اللغة المشتركة في عصره، وليس مهماً أن يكشف لنا عن الوسائل التي يبلغ بها هدفه). وهذا يعني أن مهمة الممارسة النقدية هي الكشف عن فحوى ومدى فضاء فكر الأديب، وليست مهمتها عملية استعراض الأدوات التي يستخدمها النقد في هذا الكشف، كما هو حاصل، مع كبار المنظرين للمدارس النقدية وتلاميذهم الذين يتبنون أدوات ورؤى تلك المدارس، ويحيلوها إلى مناهج ومقررات دراسية مقدسة، حتى صارت أهم، في الدرس الأكاديمي حول الأدب، من الأدب ذاته، بل صارت هي الأولوية في التدريس على حساب الأدب وعملية الاستمتاع به، في ذاته، كمنتج فكري وتخيلي، يمثل المنبر الأول في بناء فكر الإنسان.

إنها عملية إيلاء الاهتمام لأدوات الطبخ على حساب المادة المطبوخة وجودة مكوناتها ونكهتها… أليس هذا ما يحصل فعلاً؟ 

الحقيقة المرة هي أن أغلب النقاد وأساتذة الأدب المنظرين، يجوزوّن لأنفسهم اتخاذ دور هذا الملك في ممارساتهم التنظيرية والتطبيقية النقدية حول الأدب، ويطالبون الأدباء والمتلقين، على حد سواء، في قبول (حمار نقودهم) هذه على إنه حصان!

لماذا وعلى ماذا يستندون، في منح أنفسهم مثل هذا الحق؟ لا أحد يعرف من الأدباء!

أصحاب المناهج أو المدارس النقدية يتصرفون كأنهم هم من اخترع الأدب، وإنهم يعرفونه أكثر من مبدعيه، بأي حق؟ بحق تصنيف تكنيكاته وتقانات كتابته وإيجاد المسميات الاصطلاحية لها! وطبعاً، هم ومن تتلمذ على أيديهم، فرضوا هذه المناهج على الجامعات، للتدريس لطلبة الأدب، حتى أزاحت الأدب وحلت محله في الدرس الأكاديمي وشهاداته. من يصدق هذا؟

السؤال المهم هو: هل خدمت هذه المناهج الأديب المنشئ فعلاً؟ 

وبسؤال أكثر دقة: هل يهتم أو يلتفت الأديب المبدع لكل هذه المناهج وهو يكتب نصه الإبداعي؟

***********      **********

قرود مُدربة:

بعيداً عن نظرية التطور والتوقعات التي افترضت أن يكون القرد أخانا الأكبر، لكن واقع الحياة ونهايتها تعاملنا على إننا لسنا أكثر من قرود مُدربة، وبتأريخ صلاحية محدد تماماً.

الحياة – ومنذ اكتشاف أول أثر للحياة الأولى على هذا الكوكب – لا تدخر لنا إلا القليل من العواطف الطيبة التي توزعها بين مساحات واسعة من المعاناة والألم، هذا إضافة إلى معاملتنا بعدم احترام، وكأننا بالفعل قرود بلا قيمة، وهذا ما ألجأنا إلى ابتداع الآداب والفنون، من أجل منح أنفسنا بعض القيمة وتخفيف وطأة شعورنا بقلة الاهتمام.

هذه المشكلة أصيلة في تكوين الحياة، ولا تتعلق بالحالة التي يكون عليها الوعي وتوقده، التي يتحكم بها مزاجنا الشخصي وحالاته، كما ظن الفيلسوف الإنكليزي (كولن ولسن) في أغلب كتبه الفلسفية، رغم أن لا أحد ينكر تأثر مستوى الوعي الإنساني وحدة التفكير بالحالة المزاجية لكل شخص منا. فقدرة إعادة انتاج العملية العقلية المتوقدة لا ينتجها زر يرافق المزاج الطيب أو الهادئ بطبعه، بل تتعلق بقدرة الفعل العقلي وقدرة العقل على تحريكه، وهذا الفعل لا يشترط المزاج الطيب بالضرورة، وإلا لكان أصحاب المزاج الطيب أكثر قدرة من غيرهم على انتاج الأفكار.

حقيقة الأمر هي أن الأفكار العظيمة والأدب الجيد لا ينتجه المزاج الطيب (غالباً ما يكون هذا المزاج بارداً)، بل المزاج القلق المتوتر، وأغلب أصحاب هذا المزاج يشعرون أنهم مهمشون، بل ومقصيّون، لأسباب لا يمكن تبريرها، ولهذا فإنهم يلجؤون إلى عقولهم التي تنتج الأفكار والأدب والفنون الجميلة. وبعد كل شقاءهم في انتاج أفكار ورؤى هذه الأعمال، يأتي دور أصحاب الأمزجة الصقيعية، من الأكاديميين ليمارسوا دور الميزان الحساس (التنظير والنقد والتقييم)، بكل ما يحمل حديد الميزان من برودة فجة ومزعجة، ومن هنا نشأت الشقة بين الأفكار والابداع (الأدب على وجه الخصوص) وبين المدارس النقدية، التي يجنح قسم كبير منها إلى التعامل مع النتاجات الإبداعية على إنها نظريات علمية.

النتاج الأدبي وبكافة أجناسه، لا ينطلق من مزاج رومانتيكي يملأه شعور ساذج بالشفقة على الذات، بل من أرضية حقائق مكرسة بأن الحياة لا تعامل الإنسان بحب وإنها تمارس معه دور زوجة الأب الحقود، التي لا يلين قلبها في جميع أحوالها (الفكرية) والمزاجية.

الأدب والفلسفة (قبل أن يدجنها الدرس الأكاديمي) لا ينطلقان من مزاج رومانتيكي رافض للعالم، فقط لأن حوادثه لا تطابق أماني أصحابها أو منتجيها، بل من سلسة عوارض ممضة عاملتنا ومازالت تعاملنا على إننا مجموعة قرود غير مدربة أو غير مهذبة، لا هم لها غير المطالبة بالمزيد من مزارع الموز وأن تترك لتأكل منها، كما تشتهي، وعلى ألا ينفد موزها أبداً. والطريف أن الحياة تطالبنا بالتدرب على الخنوع لها ولقلة عطائها، من دون أن تقدم لنا منهاجاً لهذا التدريب، ومن دون أن تحدد بمن يجب أن تناط مهمة التدريب هذه.

*******    **********

الفلسفة هي أقدم وأعرق مدارس النقد، ورغم أن المناهج النقدية التي تُدرس في جامعاتنا الآن، سعت لأن تُجذر نفسها في طروحات ومفاهيم فلسفية، إلا أنها ظلت، وخاصة على مستوى التطبيق، شاحبة وضبابية ومصابة بفقر دم رؤيوي في جانب مطالبها من النص الإبداعي.

إن التركيز على دراسة النص عبر لغته، نحواً وصرفاً وإشارات صوتية وعلامات، عملية اجتزاء مريعة ولا يمكن أن تقف على فحوى النص ومقولته. بل هي تحيل النص إلى هلام لغوي شاحب، وتظهره كأنه مقصور بذاته وعلى ذاته، وكأنه كتب ليضاف إلى متحف اللغة لا لأن يقول لنا شيئاً جديداً من صميم رؤية الكاتب ورؤاه لما نعانيه على الأرض من مشاكل وجودية، بلغة ومقصد الفلسفة الوجودية بالذات.

ما من نص أدبي ولا بحث فلسفي أوصلنا للحظة الإيمان بأننا على الأرض في نزهة، بل أن معظم الجاد منها يقول إننا أمام إشكالية، عسيرة الفهم والهضم وبأوجه متعددة، وعليه فنحن بحاجة لأنساق نقدية تساعدنا على تحديد مواضع تمظهر تلك الإشكالية وتأطيرها، ومن ثم إضاءتها، تمهيداً لفهمها، على أقل تقدير. أما ترك هذه الإشكالية ومساربها وتفرعاتها والبحث في شكل اللغة التي توصلها إلينا، فلا أظن أنه خدم معاناتنا منها بشيء.

والحقيقة فإن المناهج أو المدارس النقدية المتداولة في جامعاتنا الآن، وبدل أن تعمل على إضاءة النصوص وتحقيق فتوحات معرفية فيها، فإنها تسعى إلى خطف روحها وتبديد الوانها وحشرها في زاوية ضيقة لا يراها غير أصحابها، بل وتحشر منشئي النصوص في ملابس شديدة الضيق، من أجل أن يناسبوا مقاسات قراءاتهم.

لا أدري لم لا يتوقف أصحاب المدارس النقدية امام حقيقة أن النص الأدبي لا يحتاج إلى أدوات تعقد فهمه، بل لأدوات تضيء مكنوناته وإشاراته وتساعد المتلقي على فك شفراته ورموزه، وبالتالي تفكيكها، من أجل مساعدة من لا يملك أدوات التفكيك على القبض على مقولة أو رسالة النص؟

المدارس النقدية الحديثة أرهقت نفسها بتعقيد تفاصيل بناء هياكلها الخارجية إلى حد تيهها في أنفاق من الغموض، لم يعد أصحابها ذاتهم (منظروها) قادرين على تلمس طرقها والخروج منها بشيء واضح ومفهوم، وخاصة على صعيد التطبيق. وهذا ما وضع المتلقين (وبينهم قسم من ذوي الاختصاص ذاتهم) أمام تساؤلات من مثل: هل تحتاج قراءة وفهم النصوص لكل هذا التعقيد؟ ماذا لو اعتمد كتاب النصوص الإبداعية ذات التعقيد في كتابة نصوصهم، ألن يضج النقاد والمتلقين العاديين بالشكوى من ذلك التعقيد؟ ألن يتهموهم حينها بافتعال الغموض من أجل إضفاء الأهمية والفخامة على نصوصهم؟ أليس في البنيوية والتفكيكية والاسلوبية والسيميائية تعقيدات عجز حتى واضعوها عن إيصالها لطلبتهم ولزملائهم، فما بالك بالمتلقي العادي؟

ولأقرب الفكرة فقط، هل التعقيد الذي كتب به جيمس جويس، رواية يولسيس، مستحب وخدم المتلقي بشيء وتركه يستمتع بها بهدوء وشغف يماثل استمتاعه برواية وداعاً للسلاح أو رواية إنهم يقتلون الجياد.. أليس كذلك؟ أو رواية مائة عام من العزلة؟

هل يستطيع القارئ العادي، غير الأكاديمي المتخصص في دراسة المدارس النقدية ومناهجها، قراءة كتب البنيوية والاسلوبية والتفكيكية؟ والسؤال المهم: كم سيفهم منها فيما لو قرأها؟

ولنصل الآن للنقطة الأهم: المواضيع أو النصوص المعقدة، أليست تحتاج وسائل قراءة مبسطة وواضحة ومباشرة من أجل فهمها؟ موضوع معقد وغامض مثل الموت، ألا يحتاج لوسائل قراءة وشرح مبسطة من أجل سبر غموضه وفهمه؟

وفي النهاية، فإن علينا أن نقبل وننطلق من مسلمة أن أول متطلبات النقد، سواء كان فلسفياً صرفاً أو أدبي فقط، هو تحقيق ما تتطلع إليه مليارات العقول البشرية حول مصيرها الذي يتربص به الموت، سواء إذا تحركوا إلى الأمام أو سكنوا في أماكنهم، لأنه لا يكل عن التقدم باتجاه مصادرة وجودهم، في كل الأحوال، كقاطرة عمياء، زودت بطاقة رهيبة لدعس الجميع.. لماذا؟ أ لأنه قانون فطري أم لعجز عقولنا عن إيجاد وسيلة لإيقافها؟

والسؤال هو: هل ساعدتنا أدوات النقد الحديثة على فك شفرة فعل الموت وفهم آلية اشتغاله، قبل تشخيص وفهم أسباب اشتغاله وهدف اشتغاله وبم يخدم الإنسان؟

أليس من مهام النقد أن يوضح لنا، لم وكيف ولماذا يعمل الموت على كياناتنا، عندما توضع في نص أدبي، وأن يوسع ويطور فهم المنشئ لفكرته، كي يساعده على طرح المزيد من الأسئلة حول موضوعته؟

ألم تترك المناهج والمدارس النقدية الحديثة، النص الإبداعي في العراء وتمضي وقتها في بناء هياكلها الخارجية، موهمة إيانا مع الكتاب، بإلقاء عظمة، بين الفينة والأخرى، قريباً من سياج النص الإبداعي؟

ألم يكن سيتغير الأمر، فيما لو كانت موضوعة الموت قد أوليت المزيد من التحليل والتشريح والتفكيك والنظر في البنى، كموضوعة أدبية وثقافية وكمعضلة فلسفية، تحيط بها الأسئلة من كل الجوانب، وخاصة الجانب الذاتي في الكيان الإنسان، المتضرر الأول من فعل الموت؟

وأخيراً، كم نص أدبي، في تاريخ الثقافة الإنسانية ككل، عرض لفكرة الموت وناقش جوانبها وأشبع زواياها بالأسئلة، رغم أن الأدب الإنساني كان قد بدأ حركته الأولى، بهذا الموضوع بالذات، من دون سواه، كما تعرض له ملحمة كلكامش، كأول نص أدبي ملحمي في تاريخ الثقافة الإنسانية ككل؟

عن الخبر ال واي

شاهد أيضاً

هل صارت الحربُ واضحةً الآن؟

هل صارت الحربُ واضحةً الآن؟ قراءة في نصين للشاعرة تسنيم عبد القادر والشاعر المتوكل طه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *