الرئيسية / ثقافة / نسرين المؤدب: المرآة الآسنة هي روايتي الأولى التي أعادتني إلى عالم الكتابة

نسرين المؤدب: المرآة الآسنة هي روايتي الأولى التي أعادتني إلى عالم الكتابة

المرآة الآسنة هي روايتي الأولى التي أعادتني إلى عالم الكتابة

نسرين المؤدب:

المرآة الآسنة هي روايتي الأولى التي أعادتني إلى عالم الكتابة

   ما تشهد الساحة الثقافية اليوم من نتاج ثقافي بين المحكي والمغنى ينتقي المتلقي ما يتوافق وذائقته، و كثيراً ما تغرينا الأغلفة ونجد أنفسنا محبطين عند قراءتنا للعمل الإبداعي، هذا ما يحدث  في الغالب، لكن في المرات القلائل نجد أنفسنا أمام (واو) كبيرة بفعل الدهشة التي تنتابنا مع عمل إبداعي لمبدع شاب ليس من الأسماء التي تحتفظ بها ذاكرتنا من سنوات، وهذا شيء جميل.. ومن هذه المرات –القلائل- نجد أنفسنا أمام روائية قادمة من مجالها العلمي لتبدع أدبياً، أصيلة قرطاج، شابة متوهجة بالعطاء الإبداعي، متحمسة باتزان المقتدرة، لتضعنا أمام عملين روائيين (المرآة الأسنة) و(ما وراء الماء) بالإضافة إلى مساهمة في كتاب جماعي عبارة عن متتالية قصصية في شكل روائي، كانت تجربة من شأنها أن تعمل على التحفيز، ومحاولات في الشعر تبعثرت نصوصها هنا وهناك لتسجل تجربة حياة عميقة، صاحبة هذا التوصيف هي الروائية نسرين المؤدب، تلتقيها الخبر ال واي في هذه المصافحة للغوص في زوايا تجربتها:        

صافحها | رزق فرج رزق

  • عدت الى عالم الكتابة الإبداعية زمن الكوفيد فارتميت في حضن الكلمات الدافئ هاربة من برد الأرقام وسطوة المال
  • تبقى الجوائز بارقة الأمل الوحيدة للكاتب والكفيل الممكن لجني ثمار جهوده ماديا ومعنويا.
  • نقاش الإنجاب يزيد من تعقيد القضايا الأخلاقية ، ويمثل الماء رمزًا للتجدد والخلود
  • أجدني مهووسة بالتفاصيل الصغيرة وأنتقي بدقة شديدة الأسماء والعناوين
  • ووسط هذا الزخم الابداعي تتشابك طرق الحصول على مكانة أدبية
  • عَبر ثلاث أجيال يتجلى الما ء رمزاً للأنوثة؛ لأعبر بذلك عن الجمال والقوة

الخبر ال واي|  بشيء من التفصيل الوافي ، مدعوما بتدريجها التعليمي والنشأة، مشغولا بتكوينها الثقافي، كيف تقدم (نسرين المؤدب) نفسها وذاتها المبدعة للقارئ العربي؟

المؤدب |  نسرين المؤدب، كاتبة روائية تونسية، متحصّلة على الأستاذيّة في التسويق من المعهد الأعلى للدّراسات التجاريّة بقرطاج. في البداية. استهواني الشعر فكتبت بعض القصائد والخواطر التي لاقت إعجاب أساتذتي مما شجعني على مواصلة الكتابة، نشرت قصائد وقصص قصيرة ومقالات في عدد من الجرائد والمجلات وكانت هذه القصص تلقى إشادة من النقاد والقراء، بعد انقطاع دام عشرين سنة تفرغت خلالها للدراسة والعمل والأمومة. عدت الى عالم الكتابة الإبداعية زمن الكوفيد فارتميت في حضن الكلمات الدافئ هاربة من برد الأرقام وسطوة المال. الكتابة ملاذي. حديقتي المعلقة حيث ترتع أفكاري ومشاعري وتجاربي. أجد فيها وجها آخر يشبهني ووجهة نظر أرحب. شاركت في الكتاب الجماعي عاشرهن الدي صدر عن دار نقوش عربية سنة2021 وكانت تجربة فريدة من نوعها جمعتني بتسع ساردات عاشرهن رجل لا تصل الابتسامة الى عينيه. متتالية قصصية في شكل روائي قدمنا من خلالها شخصية المنحرف النرجسي وطرحنا قضايا مختلفة تهم مجتمعنا التونسي بحرية وابداع، كتبت العديد من المقالات والدراسات عن الكتاب الذي قدمه الاستاد محي الدين البجاوي في الغلاف الرابع، المرآة الآسنة هي روايتي الأولى التي أعادتني إلى عالم الكتابة. ترددت في نشرها لكني أقدمت على ذلك بعد أن فتحت تجربة الكتابة الجماعية شهيتي لمشاركة القراء خلاصة ساعات وايام من الكتابة والتجويد. وحققت روايتي واستحسانًا من النقاد والقراء بعد ان منحتني الكاتبة آمال مختار شرف توقيعها في بيت الرواية، قدمت الكاتبة مهيبة شاكر الرواية بأسلوب مميز واشادت بالتقنيات المستخدمة واللغة والمواضيع المطروحة كما كتب عنها الناقد طارق العمراوي مقالا بعنوان المرآة الاسنة حديث الثالوث وتجلياته وكتب الصحفي والناقد رزق فرج رزق رؤيته الجمالية في الرواية.. وفي بغداد صدرت في نفس السنة رواية “ما وراء الماء” عن مؤسسة ثائر العصامي للطباعة والنشر، اختارت الرواية مكان مولدها نسبة لأحدى شخصياتها المحورية. الرواية رحلة فلسفية غامضة تأخذ القارئ عبر أبعاد متعددة في الزمكان. استخدمت فيها الألغاز والرموز والمشاهد السحرية لإيصال رسائل عميقة حول الهوية والمعنى الحقيقي للحياة. أعمل حاليا في مجال التدريب وتطوير المهارات وأحاول دمج خبراتي الحياتية في تجربتي الإبداعية بهدف تقديم أعمال أدبية تثري ثقافتنا وتلهم القراء. أنا ممتنة للغاية لتقدير النقاد واستقبال القراء الذين يتفاعلون مع كتاباتي ويجدون فيها الإلهام والتأثير. هذا يعززني ويدفعني للمضي قدمًا في رحلتي والتطور ككاتبة. اما بعد كلي حماس للاتي

نسرين المؤدب

الخبر ال واي| من منظور أدبي بحت’ نسرين المؤدب تدخل إلى عالم الرواية بخطي ثابتة تقف على أرضية صلبة توفرت عليها من خلال تكوينها الثقافي .. كيف ترى المؤدب الرواية التونسية-على المستوى العربي- هل نضجت وقالت ما يلزم قوله؟ ام مازال هناك ما يقال؟

المؤدب | للتجارب السردية التونسية بصمتها المتميزة بتجذرها في الهويّة الوطنيّة وقد ساهم أدب العديد من كتابنا اللامعين في نحت ملامح أدب ينهل من منابع التراث التونسي ومن أبرزهم في نظري البشير خريف فما زالت الدقلة في عراجينها من أحب الروايات إلى قلبي حيث تتبوّأ مرتبة أهم الروايات العالميّة التي أجمع عليها القرّاء والنقّاد، وان استخدم البشير خريف أدوات سردية موغلة في المحلية في نصوصه، حدّث المسعدي قرّاءه من خلال نصوص مغامرة مراوغة وانطلق بأفكار فلسفية وجودية تتجاوز الحدود الجغرافية لتونس والوطن العربي لتحدّث الانسان والوجود برمّته. في رصيدنا التونسي نصوص كثيرة شعرية ونثرية حلقت عاليا في سماء الابداع، نصوص لم تحدها جغرافية بلد صغير في مساحته غني بثقافاته المتلاقحة.

    هنا في مفترق بين الشرق والغرب، نشهد اليوم زخما ابداعيا في مشهد يتسم بوفرة الانتاج وتنوعه وشح الموارد والترويج من جهة أخرى فيبقى النص غريبا وحيدا مع كاتبه في أغلب الأحيان.

للثورة التونسية والطفرة التكنولوجية دور رئيسي في رسم معالم الساحة الأدبية كما نشاهدها الآن مما أثرى التجارب ونوعها وأبرز أسماء مهمة أنتجت نصوصا إبداعية تنهل من مشارب عدة ومع ذلك فان قلة قليلة منها استطاعت تخطي حدود المحلية لتبرز عربيا وعالميا.

وبين تقاذف الاتهامات وتحميل المسؤولية للكاتب حيناً ولدور النشر أحيانا كما لوزارة الثقافة والقراء أيضا، أجدني أتساءل جديا عما يحول فعلا بين الكتاب التونسي والانتشار العربي والعالمي؟

خاصة ونحن نعيش في عصر تنتشر فيه الآراء والأفكار بسهولة ويسر وبشكل آني. لماذا نتهم وسائل الاتصال لَيِّ أعناق قرائنا عن الكتاب في حين نجدها في العالم الغربي تنجح في الانتصار له إعلامياً وتسويقياً؟

أعجز عن الإجابة عجزي عن إيصال كتابي حتى إلى الجهات والمناطق الداخلية في بلدي؟ كيف أطلق كتابي إلى وجهة أخرى أبعد فأبعد؟

قلما تجد الاصدارات التونسية حظها في التوزيع حتى داخل البلاد نفسها وتعرض أغلب كتابنا لإحباطات عدة جعلتهم ضحية الابتزاز ودفعتهم للتنازل والخضوع لأحكام دور نشر تناضل بدورها لتبقى في زمن يشهد فيه سوق الكتاب ركودا ساهم فيه ضعف المقدرة الشرائية للمواطن التونسي.

ومع ذلك تبقى الجوائز بارقة الأمل الوحيدة للكاتب والكفيل الممكن لجني ثمار جهوده ماديا ومعنويا.

الخبر ال واي| في ثنائية الحب والموت .. وبضمير ال (هي)، في (ما وراء الماء) نجدها تهاب. . ما الخلود في نظر نسرين المؤدب.. والحياة والموت ‘ والحب والكره الثنائيات التي نتوغل فيها من خلال سردك؟

المؤدب | في “ما وراء الماء”، نجد أن مي تهاب الموت ولكنها لا تحيا لأنها تهاب الحب أيضا. هو الحب يمنحنا الخلود. الحب … أي حب يجعلنا نتعلق باللحظة وننسى النهاية. لا تخلو الرواية من قصص حب متعددة المظاهر وهي تدفقات مشاعر تنساب كالماء تعكس الزمن وتضفي معنى لقصّة حياة الإنسان، وعبر الماء أيضا تتجلى في الرواية ثنائية الموت والحب من خلال المعنى الرمزي للماء كنبع للحياة، تنتحر حورية الأم إحدى البطلات الثلاثة في النهر أو هكذا يبدو ويلوح لنا الماء، كرمز متعدد الأبعاد يمثل في الرواية حياة وموتًا، ويعكس تحديات التفكير بالموت. صورة الأب تُضفي على القصة بعدا عاطفيا عن الهوية والوجود. نقاش الإنجاب يزيد من تعقيد القضايا الأخلاقية ويُلقي الضوء على دور الحب كمصدر للأمل والخلود. وعن حب البقاء تحدثنا الخلية المائية الأولى وتروي دورة الماء في الحياة ملحمة التجدد والأمل لندرك ان كل الأساطير التي وردت عن الماء لم تأت عبثا إلى مخيلة الانسان، في نهاية المطاف، يتداخل الموت والحب في عمق السرد، حيث يمثل الماء رمزًا للتجدد والخلود، ويسلط الضوء على أن حياتنا تتجاوز الزمن الظاهري، وفيها تمازج جميل عند التأمل في مفهومي الموت والحب.

الخبر ال واي| من خلال المتخيل المحكي في كل سردياتك.. توجد نبرة خلود تلتف حول الذات الراوية.. يحاصرها انكسار ثنائي المضمون.. كيف تطوعين أداوتك الإبداعية لتحتمل هذا الكم من أسئلة الرواية مع خيوطها المترامية؟

المؤدب |  طالما اعتقدت اني شخص مختلف لأني اتراوح بين نقيضين فظننت أني مصابة بنوع من اضطراب الشخصية لكن الكتابة جعلتني ادرك ان معاناتي ميزة تجعلني ‏قادرة على مقابلة الفكرة ونقيضها وبالتالي أستطيع فهم الشخصيات المختلفة التي نجدها على مسرح الحياة. حين نتأمل الكون نجد انه يقوم على التوازن. الكون برمته من أكبر المجرات إلى أصغر الخلايا يقوم على الثنائيات التي تتصارع وتتكامل من أجل تحقيق القانون الأعلى ألا وهو قانون التوازن. ومن أبرز الثنائيات التي تعصف بذهن المفكر نجد ثنائية الحياة والموت . والأدب بصفة خاصة والابداع الانساني في شتى مجالات العمل محاولات انسانية للخلود والكاتب كخالق لنصه يستعمل قانون التوازن لبناء الأحداث والشخصيات . كل هذه الأفكار جعلتني بصفة واعية وغير واعية في أغلب الأحيان أرتكز على الثنائيات . في رواية المرآة الآسنة يتجلى رمز المرآة كوسيلة لإبراز التقابل بين الشخصيات وسبر أعماقها في آن واحد . يمكننا رؤية هذا الاستخدام التأثيري من خلال التناقضات والتضادات التي تنشأ بين عناصر القصة. وفي ما وراء الماء تظهر الثنائيات كمحور رئيسي لتجسيد التضادات، سواء كانت بين الحياة والموت، النور والظلام، السعادة والحزن، الشر و الخير وما إلى ذلك فيتيح هذا الاستخدام للقارئ فهما عميقا لتعقيدات الطبيعة البشرية. تبرز في سردياتي التناقضات كمحور أساسي لتشكيل الحياة، حيث يتقاطع الماضي بالحاضر، والأمل يتناوب مع اليأس. تتأرجح الشخصيات بين قمم النجاح وأودية الفشل، مما يضفي على الروايات أبعادًا متعددة، يتمحور الفن الروائي في نظري حول استكشاف جمال هذه التناقضات وتأثيرها على رحلة الإنسان في الحياة.

الخبر ال واي| في المرآة الآسنة.. تعددت الأسماء يقين. سلمى .وغيرها . هل من توظيف ذو طابع رمزي تتسم به هي الأسماء؟

المؤدب| شغفي بالشعر يجعلني أحب دلالات المفردات لذلك أجدني مهووسة بالتفاصيل الصغيرة وأنتقي بدقة شديدة الأسماء والعناوين. تُعَدُّ العناوين نوافذ تتيح للقارئ نظرة فاحصة إلى العالم الذي تخبئه الكتابات أما الأسماء فهي مفاتيح الأبواب الموصدة التي نفتحها شيئا فشيئا لنلج عالم شخصيات الرواية فتستدعي الفضول والتساؤل حول ما تختزنه داخل جدرانها. في المرآة الآسنة جعلت اسم سلمى تعويذة تقيها في خضم الصراعات النفسية والاجتماعية التي تحيط بها . سلمى انعكاس في المرآة كذلك لاسم لميس، وكان هذا الاختيار ضروري للحبكة فنجد تقابلا بين لميس(الحقيقية الملموسة) وسلمى المتخيلة . هل سلمى ميلاد هي لميس دالي؟ في لقب ميلاد إشارة إلى ولادة أخرى للبطلة، شخصية كثيرة الشكوك والتساؤل. في المقابل نجد يقين بيقينها الراسخ وتقدمها الثابت رغم العواصف وكأنها بوجودها تتحدى بطلتنا وتحثها على الايمان. هذه بعض ألغاز أسماء الرواية التي تحمل بين حروفها خصوصية الشخصيات. نجد أيضا شخصيات رجالية كمالك وفارس ونبيل وفي أسماءها سخرية وتشكيك في صفات أصحابها لتصبح مؤشرات يستمتع القارئ بفك شفرتها.

الخبر ال واي| أين تجد نسرين المؤدب مكانتها في المشهد الثقافي التونسي؟ وما تقيمها لهذا المشهد؟ وهل تراه يتماهى مع الحركة الثقافية في المنطقة العربية؟

المؤدب |  تراجعت عن نشر رواية المرآة الآسنة سنة 2020 ولم أقدم على ذلك إلا بعد ثلاث سنوات. كنت خلالها في صراع داخلي، لا أدري كيف أقدّم نفسي ككاتبة وأنا قادمة من عالم آخر ولا أعرف أحدا على الساحة. لكني لم أتوقّف عن الكتابة فانبثقت رواية ما وراء الماء في خضم كل تلك التجاذبات النفسية، راقبت المشهد الثقافي بإمعان وزادتني الخلافات والاتهامات المتبادلة واحتقار البعض للكتاب التونسيين عموما والشبان خاصة رهبة واحجاما عن النشر وسمعت كلاما كثيرا من قبيل من أنت لتكتبي؟ كيف يجرؤ هؤلاء على الكتابة بعد دوستوفيسكي؟ نقطة الضوء كانت لما تعرفت على مهيبة شاكر كاتبة تونسية تزامن موعد نشر روايتها مع روايتي، فتوطدت صداقتنا وكان لها الفضل الكبير في مسيرتي الادبية. لم تبخل علي بالمراجعة والنصائح وقدّمتني كذلك إلى مجموعة عاشرهن وكانت هذه التجربة لي بمثابة الحافز والمعلّم فأصبحت أكثر جرأة وأكثر إيمانا بقلمي، عدد الروائيين اليوم في تونس كما في سائر العالم العربي في تزايد ملحوظ لدرجة انه قد يفوق قريبا عدد القراء، تتيح المنصات الرقمية فرصة إشهار الكتاب والتعريف بعناوينهم، ووسط هذا الزخم الابداعي تتشابك طرق الحصول على مكانة أدبية، لم تسلم الساحة الأدبية من طائلة التكنولوجيا والعصر الرقمي وبات فيسبوك مسرحاً لتجسيدات الأنا وهو خشبة تسويق للكتاب قبل أعمالهم وفي غياب للترويج الحقيقي، نحاول على هذه المنصة أن نصبح مرئيين، قبل أن تقرأ أعمالنا . يصرخ الكاتب على صفحته ويلح: أنا هنا! ما أكتبه جدير بالاهتمام. فيجيبه ثلة من الأصدقاء بالتمجيد والمدح، هذا يهنئ والآخر يبارك وتنتهي القصة سريعا في أغلب الأحيان، أنخرط في هذه اللعبة بحماس تارة وبفتور أخرى وأنسحب في أحيان كثيرة ثم أراجع نفسي اذ يجدر بي الاعتراف ان الوضع ليس بهذه السوداوية فالكثير من الأعمال تحظى بالنجاح الساحق إما لتفردها الأدبي أو لحصولها على جائزة وهذا ما أطمح إليه.

المرآة الآسنة هي روايتي الأولى التي أعادتني إلى عالم الكتابة

 الخبر ال واي| تعج “المرآة الآسنة” بتفاصيل الفساد السياسي والانتخابات. وشبهات أموال وصفقات. وكثير من ظواهر هدامة في المجتمع مثل التنمر . مع هذه العوالم المتشابكة.. كيف استطاعت “المؤدب” أن تجمع خيوط روايتها مترامية الأطراف؟

المؤدب |  في البداية أودّ أن أشكرك على هذا السؤال فعادة يتعامل النقاد مع الكتابات النسوية باعتبارها بوحا شخصيا فيلقون الضوء فقط على الجانب العاطفي الذي تبدع فيه المرأة باعتبارها كائنا عاطفيا. فالمرآة الآسنة رواية تعكس نفسية شخصياتها وتبوح بلواعجها لكنها أيضا قراءة فكرية لظواهر المجتمعية والاضطرابات السياسية التي برزت في المجتمع التونسي ما بعد الثورة، سلمى هي تونس التي تتخبط في تناقضات أطرافها وأصواتها المتعددة فتكشف مرآتها عن معاناتها وآمالها، وتظل تونس آملة شامخة رغم الأسن الذي يكدّر صفو المشهد منذ عقد من الزمن، الكتابة عملية إنسانية في المقام الأول وهي بذلك لا تنفصل عن واقع كل كاتب وكاتبة والمجتمع من حولة، فتنبع القصة من الذات أوّلا ثم من الظروف المحيطة التي نلتقط منها القصّة والشخوص .

الخبر ال واي| “المؤدب” القادمة من تكوين علمي وعالم الأسواق تقتحم عالم الأدب و الإبداع من باب واسع برواية “المرآة ألسنة” وتلحقها برواية “ما وراء الماء” بالتأكيد أن هذا الخوض لم يكن على بساط أحمدي.. ما هي الصعوبات التي واجهتك أثناء تجربتك الإبداعية، وكيف تغلبتي عليها ؟.

المؤدب |  غالباً ما يُعدّ الإبداع حكرا على المشتغلين بالفن بأنواعه، ولكنه في الواقع أداة قوية يمكنها دفع النجاح في كل المجالات الحياتية فيمكن له أن يتجه في طبخة أو بناية أو في مشروع تجاري. في الواقع، لا يتجلى الابداع إلا باتحاد العقل والروح فلا يوجد بذلك هوة بين التفكير المنطقي والتفكير الابداعي وكلاهما يحتاج إلى الآخر. الأدب بصفته فنا كاملا يفكك الواقع ويعيد بناءه من جديد باستخدام الفكر الإبداعي للخلق والمنطق أيضا لتأسيس بنية مترابطة ووحدة متكاملة . الأدب وسيلة تعبير تنهل من المخزون الثقافي للإنسان على جميع المجالات والأصعدة. وهو غاية فنيّة تتوق إلى الكمال الجمالي،أول حاجز واجهني هو اعتقادي أن اتقان اللغة هي الملكة الابداعية الرئيسية لتحقيق فعل الكتابة، لكن ممارسة هذا الفن والالمام بجميع جوانبه أثبتت لي ان الكمال اللغوي ليس منتهى الابداع. من خلال تجربتي حاولت خوض المغامرة الأدبية بتحد للغة من جهة ولأشكال التعبير النمطية باحثة عن احداث توازن ما بين تفكيري العلمي البراغماتي وشغفي باللغة بصفة عامة و بالشعر على الأخص وقد ساعدني هذا التراوح والجدل على الموازنة بين الرؤى وتجاوز حواجز الرتابة. لم يكن الأمر سهلا بالتأكيد، لأني كنت متضمخة بالأفكار النمطية السائدة التي تفصل بين العالمين العلمي والأدبي وكان علي نسف معتقداتي عن نفسي وعن الكتابة اذ كانت لدي توقعات مسبقة تحد من قدراتي على الابتكار. الأدب فعل انساني عظيم لا يمكن حصره عند المشتغلين به. جوزيه ساراماغو صاحب جائزة نوبل 1998 كان صانع أقفال، وفرانتز كافكا عمل في شركة تأمين، وميخائيل بولغاكوف كان طبيبًا، وفيودور دويستوفيسكي كان مهندساً وأنا أحاول أن أكتب عنّي وعن الإنسان وهواجسه بطريقة متفردة تحترم القارئ وتعبّر عنه

الخبر ال واي| من المعروف ان الماء عنصر مهم في الحياة.. و توظيفه ثيمة يعمل عليها محور الأديب في عمله الأدب.. و كونه رمزية ذات عمق خرج عن معناه العام ليدخل في عمق الإطار الفكري.. وفي روايتك “ما وراء الماء” جاء الماء في العتبة الأولى كأنه نص موازي للرواية نفسها.. ما وراء الماء في العنوان كعتبة أولى؟ وماذا أرادت نسرين المؤدب أن تصل بنا في توظيفها لهذه الرمزية التي تحمل الكثير من المعاناة والجد.. ومن ناحية أخرى الأمل والحياة؟

المؤدب |  تيمة الماء في رواية ما وراء الماء امتداد لتيمة المرآة في المرآة الآسنة (وفي الأسن إشارة خفية للماء)، هي محاولات للغوص في العمق، العمق النفسي والشعوري الذي يشكل العالم الداخلي للإنسان وينعكس من حوله. فالماء مرآة تعكس المشاعر والمعتقدات، قال الفيلسوف الصيني لاو تزو: “الماء قوي بلينه، يغزو القوي بالضعف، وينحني للأرض دون كسر.” يُظهر هذا التوازن في طبيعة الماء. فهو رمز للموت و الحياة في آن. لذلك اقتبست من حكاية الكاتبة فيرجينيا وولف صاحبة رواية أمواج أسلوب انتحارها في النهر فتعثر حورية على رفات أمها آمال في وادي بني مطير وتترك لنا رسائلها ومخطوط روايتها التي تصلنا من الحفيدة مي.  وبما ان روايتي تقوم على ثلاث شخصيات نسائية تتوالد من أرحامها، الجدة والأم والبنت عبر ثلاث أجيال يتجلى الما ء رمزاً للأنوثة، يقول الفيلسوف الهندي رابريناث تاغور: “الماء هو الأم والخصوبة في الحياة. إنه يمثل المصدر الأولي للإبداع حرصت أيضا على توظيف روح الماء الجمالية، للكشف عن أعماق الشخصيات مع التطرق لارتباط الماء الوثيق بالأديان كرمز للروحانية وكعنصر للخلق. يشدد الفيلسوف الألماني فريدريش نيتشه على أهمية الماء في التحول والتجديد: “الماء هو المدرس الجيد للإنسان؛ لأنه يظهر له كيف يجب أن يكون تدفق الحياة.” فأبرزت الفكرة من خلال دورة الماء في الحياة ورسائل آمال الأربعة وبذلك تدور الرواية وتلتف على نفسها وتنتهي ببدايتها هي محاولة مني لتوظيف الماء أدبيا مع المراوحة بين الحكمة الفلسفية والعمق الروحية لأعبر بذلك عن الجمال والقوة التي يحملها هذا العنصر الطبيعي.

      بهذه الإجابات الماتعة ننهي هذه المصافحة مع قلم روائي رشيق، يتمثل في شخصية الأديبة الشابة أصيلة تونس الخضراء “نسرين المؤدب” التي تمتاز باقتدارها في التعامل مع أدواتها وسلاسة أسلوبها وبساطة قاموسها اللغوي. نلتقيكم أعزاءنا القراء في مصافحة أخرى.

عن الخبر ال واي

شاهد أيضاً

هل صارت الحربُ واضحةً الآن؟

هل صارت الحربُ واضحةً الآن؟ قراءة في نصين للشاعرة تسنيم عبد القادر والشاعر المتوكل طه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *