الرئيسية / ثقافة / مقالات ثقافية / لعبة الكراسي ولعنتها للأديب محمود محمد زيتون

لعبة الكراسي ولعنتها للأديب محمود محمد زيتون

محمود محمد زيتون
الكاتب محمود محمد زيتون/ مصر

لعبة الكراسى ولعنتها..

٭٭ يدفعنى حنينى إلى أيامى الخوالى أن أقلب فى أوراقها المبعثرة فى جدران الذاكرة.. أصغى إلى حفيف أوراق الخريف وهى تهوى ذابلة شاحبة من شجرة العمر؛ ليبقى الجسد عاريٱ إلا من لحاء ينتظر لحظة الرحيل فيواريه الثرى ويعود الجزء إلى الكل فى ومضة خاطفة من حتمية الفناء.!
صور شتى تتدافع إلى ناظرى الآن وتتجسد كالرؤى رغم أنها فى حينها كانت عابرة ولا ألقى لها بالٱ ، فإذا هى اليوم تسد الأفق أمامى كأنها جبل أحد.!
فى ريعان شبابى عندما كنت أبدأ خطواتى الأول كمعلم ومرب ، انتظمت حلقات وجدانى وملكات إبداعى من خلال قراءاتى وشغفى بالأدب والتاريخ. ومن الصور التى حفرت فى ذاكرتى، ذلك المشهد التربوى بين ملك بلاد الفرس ومعلمه..
كان «كسرى » طفلٱ فى السابعة من عمره، فعهد إلى « أردشير » بتعليمه. وذات يوم ضربه أستاذه من غير سبب فتألم التلميذ، ولم يشأ أن يسأله عن السبب رهبة وحياء. وظلت تلك الواقعة تؤلمه كلما تذكرها.
ومرت الأعوام، وأصبح كسرى ملكٱ، وتبوأعرش الفرس. وفى بداية حكمه بعث يطلب معلمه، فاستقبله وأحسن مجلسه، وأخذ يحادثه؛ ليتزود من علمه وحكمته، ثم سأله عن أسباب ضربه وعقابه فى صغره دون سبب، فنظر إليه معلمه، وقد افتر ثغره عن ابتسامة رضا وقال: «رجوت فى نفسى عندما تتولى الحكم أن تكون عادلٱ، فأردت أن أذيقك طعم الظلم؛ حتى لا تظلم أحدٱ. »!
فقام كسرى وقبل جبين معلمه وأجلسه عن يمينه ، وقال :
«إن مكانك هنا معلمى.. أنت من الآن الوزير الأول فى المملكة. ولكن يا معلمى ما الوسيلة التى ترى أنها تحقق أملك هذا فى شخصى ؟ ».
فنظر إليه أردشير قائلٱ :
غدٱ- إذا أذنت لى- أجيبك.
وفى الغد المأمول جاء كسرى ودخل قاعة العرش ، وسأل معلمه عن إجابة سؤال الأمس فرد عليه أردشير: مولاى.. انظر أمامك. ونظر كسرى فوجد مكتوبٱ أمامه:
« لو دامت لغيرك
ما وصلت إليك.! »
صورة من عمق التاريخ تنضح بالحكمة فى تربية النشء وتغليب قيم الحق والعدل فى فكرهم ووجدانهم. كما يقول (المعرى) :
وينشأ ناشئ الفتيان منا
على ما كان عوده أبوه.٭
أما الصورة المؤسفة لنا فى تربية أبنائنا وإعدادهم للمستقبل فهى تنمى فيهم الأثرة والصراع على السلطة والطمع من خلال
( لعبة الكراسى).. وهى تبدأ بعشرة لاعبين وتسعة كراسى، فيدور اللاعبون حول الكراسى وعندما يتوقف عزف الموسيقى فجأة، يسرع كل منهم متدافعٱ ليجلس على أقرب كرسى إليه، ويخرج اللاعب الذى فشل فى الحصول على الكرسى وقد غلبه القهر والانكسار وبدأت تنمو فى رحم نفسه مشاعر الغضب والكراهيةوالإنكسار.!
وتستمر اللعبة ويخرج اللاعبون تباعٱ ولا يتبقى إلا كرسى واحد يتنافس عليه اثنان ،ثم يتوقف العزف ويفوز به أحدهما بعد تصارع واشتباك.!
وتنتهى اللعبة بعد أن رسخ فى أذهانهم واستقر فى وجدانهم أهمية الصراع للفوز بالكرسى.!
سحقٱ لك أيها الكرسى..
كنت فى طفولتنا ملهاة
فصرت فى حاضرنا مأساة.!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

٭«كسرى » حكم الإمبراطورية الساسانية ما بين عامى (531- 579)م واسمه« أنو شيروان» أى (الروح الخالدة).
٭وينشأ ناشئ الفتيان (أبو العلاء المعرى).
٭ الصورة وأنا أقدم حفل حصاد الأنشطة المدرسية عام(1989) م

عن محررة

شاهد أيضاً

كورونا والمسألة الثقافية / فراس حج محمد

كورونا والمسألة الثقافية في الواقع لن يقبل كثير من المفكرين والمثقفين مسألة ارتباط أمر علمي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *